الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٣٤٩وَقِيلَ: الأعناقُ: الْجَماعات، يقال: عنق من الناس، أي: جَمَاعَة. ومَعنَى الْحَدِيث: أنَّ جَمع الْمُؤَذِّنين يَكون أَكثر، فَإنَّ من أجاب دعوتَهم يكون معهم؛ فالطول مَجَاز عن الكثرة؛ لأنَّ الْجَمَاعَة إذا تَوجُّهوا لِمقصدهم يَكون لَهم امتداد في الأرض.
وَقِيلَ: طولُ العنق كِناية عن الفرح وعلوِّ الدرجة، كما أنَّ خضوع العنق كناية عن الْهمِّ والْهَوَان.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بطول الأعناق استقامتهم اطمئنانية لقلوبِهم وإظهارا لكرامتهم، وَإِنَّهُم غير واقفين مَوقف الْهَوَان والذلَّة - مُهطعين مُقنعي رءوسهم - ولا ناكسي رءوسهم كالْمُجرمين، جزاء بِما كانوا عَلَيْهِ في الدنيا مِن مدِّ أعناقهم في الأذَان.
فَإن قِيلَ: إذا كان للمُؤَذِّن هذه الفضائل كُلّها فلم لَمْ يتولَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الأذَان وتولَّى الإمامة؟ /432/
فالْجَوَاب: أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - سيِّد الأَوَّلين والآخرين، وليس من صفات السادة رفع الصوت. ومن هنا قال عمر بن الْخَطَّاب: "لولا الْخِلاَفة لَكُنت مُؤَذِّنا".
وَقِيلَ: ترك النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأذَان؛ لأنَّه لو تَولاَّه لاحتاج إلى تغيير بَعض كَلماته عن مَواضعه، وذلك قوله: «أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - » فلو ذكرَ هَذه الكلمة عَلَى هذَا الْحَال لأوهم أنَّهُ يَشهد لِغيره بِالرسالة، ولو قال: «أَشهَدُ أَنِّي مُحَمَّد رَسُول الله» لتغيَّر بَعض كلمات الأذان، وذلك غير مُستحسن، وليس هذا بشيء؛ إذ لو كان هذا الوجه هو الْمُوجِب لكون الأذَان من غيره - صلى الله عليه وسلم - لا يَنتقض بفعل الْخليفتين من بعده بل وسائر الخلفاء الراشدين، وَاللهُ أعْلَم.
الْمَسأَلَة الْخَامِسة: فيما يقال عند سَماع الأذَان، وفيها أمور:
الأمر الأَوَّل: فيما وردَ من ذلك عن الله وملائكته