الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٤وَأَمَّا من مَضى من فقهاء عمان قبله فهم عَلَى ما ذكرناه عنهم في الإقامة، وما أدري ما سبب تَحوُّلِهم في ذلك عَن سنَّة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولو تواسوا به في سنَّته كان عِنْدِي أولَى من التَّحَوُّل عنها إلى غيره بقوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ثُمَّ أخذ في الاعتذار لَهم بِاحتمال أَن يَكُونوا يرون في ذلك ما لَمْ ير، مع حُسن الظنِّ /476/ بِهم، إذ هم أبلغ فهما وعلما.
وَأَيضًا: فأفعال النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأوامره ليست كُلّها عَلَى الإيجاب، بَل بعضها يَخرج عَلَى الندب والاستحباب.
قال: وَلَعَلَّ النَّبِيّ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلاَة والسلام - اختصَّ في زمنه بلالا للأَذَان والإقامة من أجل ظهور صوته حَتَّى يسمَع الْجَماعة الإقامة مع كثرتِهم، فاقتفى الْخَليفَتَان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - مَع سائر الصحابة، ومن شاء الله من التابعين مِن بعدهم أثر نبيِّهم تأسِّيا به في ذلك. قال: والفرق عِنْدِي حسن في إقامة الْمُؤَذِّن لِلصَّلاَة حال كثرة الْجَماعة وإقامة الإمام لَها حال قلَّتهم، ألا ترى أنَّ فقهاءنا - من أهل عمان - قد أثبتوا إقامة الْمُؤَذِّن دون الإمام في صَلاَة الْجمعة دون غيرها من سائر الصَّلَوات؛ لأجل كثرة الْجَماعة في صَلاَة الْجمعة وتزاحمهم.
قال الْمحقِّق الْخلِيلي: واعتذاره تَارة بِحسن الظنِّ بِهم، وأخرى بعدم النكير منهم كَأَنَّهُ ليس بشيء، وإلاَّ لَساغ الاحْتِجَاج بِمثله لِكُلِّ من خالف السنَّة، وهو باطل.