الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٤٣٤وقيل لِخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في الصَّلاَة فتطردها؟ فقال: لا أعوِّد نفسي شيئا يفسد علي صلاتي. قيل له: وكيف تصبر على ذلك قالَ: بلغني أنَّ الفساق يصبرون تَحت أسواط السلطان ليقال: فلان صَبور، ويفتخرون بذلك، فكيف وأنا قائم بين يدي رَبِّي فأتَحرَّك لذبابة؟!!.وكانَ مُسلم بن يسار إذا أراد الصَّلاَة قال لأهله: "تَحدَّثوا أنتم فإنِّي لست أسمعكم". ويروى /28/ عنه أَنَّه كان يُصلِّي يوما في جَامع البصرة فسقطت ناحية من الْمَسجِد فاجتمع الناس لذلك وَلَمْ يشعر به حَتَّى انصرف من الصَّلاَة.
قال الشيخ إسماعيل: وذكر في سِيرة الأشياخ أنَّ رجلا من أهل تَنضح كانَ يصلِّي على ظهر دكان فعمل في باطنه الإسفنج فَلم يشم رائحته اشتغالا بِمَا هو فيه.
قال: وروي عن أمِّ داود امرأة أبي هارون -رحمه الله- أَنَّهَا كانت تُصلِّي فدخل الْحَنش في كُمِّها وخرج من الكمِّ الآخر وَلَمْ تَكسر الصَّلاَة، قالت: فجِستُ لِينه على فخذي.
وكان عامر بن عبد الله إذا صلَّى ضربت ابنته الدفّ، وتَحدث النساء بِما يردن في البيت، وَلَمْ يكن يسمع ذلك ولا يعقله. وقيل له ذات يوم: هل تُحدِّث نفسك في الصَّلاَة بشيء؟ قال: "نعم، بوقوفي بين يدي الله - عز وجل - ومنصرفي إلى إحدى الدارين". قِيلَ: فهل تَجد شيئا مِمَّا نَجد من أمور الدنيا؟ فقال: لأن تَختلف الأسنَّة فِيَّ أحبّ إِلَيَّ من أن أجد في الصَّلاَة ما تَجدون. وكان يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.
وَقِيلَ: إن مسلم بن يسار لَمْ يشعر بسقوط اسطوانة في الْمَسجِد.
قِيلَ: وتآكل طرف من أطراف بعضهم واحتيج إلى القطع وَلَمْ يُمكن منه فقِيلَ: إِنَّهُ في الصَّلاَة لا يحس بِما يَجري عليه، فقطعت وهو في الصَّلاَة.
وقال بعضهم: "الصَّلاَة من الآخرة، /29/ فإذا دخلت في الصَّلاَة خرجت من الدنيا".