الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٤٧٧وفيه الاعتراف بِعجز النفس وبقدرة الربِّ، وهذا يَدُلُّ عَلَى /75/ أَنَّه لا وسيلة إِلَى القرب من حَضرة الله إِلاَّ بالعجز والانكسار. وفيه الاعتراف بِعِداوة إبليس وَكُلّ شيطان.
والْمُرَاد ب«الشيطان» كُلُّ شيطان إِلاَّ إبليس فقط. وهو مأخوذ من "شطن": إذا بَعُدَ؛ لأَنَّه بعيد من الْخَير والرحمة، أَو مِن شَطَنَ: إذا خالف؛ لأَنَّه خالف أمر الله -جلَّ وعلا-. وَقِيلَ: الْمُرَاد بالشيطان: إبليس.
والأَصَحُّ الأوَّل؛ لأَنَّ لِجَمِيع الْمَرَدة من الشياطين حظًّا في الوسوسة، بَل ومن الإنس شياطين أيضا لقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
وَرُبَّمَا كانت شياطين الإنس أشدّ من شياطين الْجنِّ، كما قال الشاعر يصف نفسه:
… وكنت امرءًا مِن جُندِ إِبلِيسَ … فَارتَقَى … بِيَ الأمرُ حَتَّى صارَ إبليسُ … مِن جُندِي
… فَلَو مَاتَ قَبلِي كُنتُ أُحْسِنُ … بَعْده … طَرائِقَ فِسقٍ لَيسَ يُحسِنُها … بَعْدي
وحكي أن بعض الْمذكِّرين قال في مَجلسه: إن الرَّجُل إذا أراد أن يتصدق فَإِنَّه يأتيه سبعون شيطانا فيتعلَّقون بيديه ورجليه وقلبه ويَمنعونه من الصدقة، فَلَمَّا سَمِع بعض القوم ذَلِكَ قال: إِنِّي أقاتل هؤلاء السبعين، وخرج من الْمَسجِد وأتى الْمَنزل ومَلأ ذَيله من الْحِنطة وأراد أن يَخرج ويتصدَّق به فوثبت زَوجته وجعلت تنازعه وتُحارِبه حَتَّى أخرجت ذَلِكَ من ذيله، فرجع الرَّجُل خائبا إِلَى الْمَسجِد. قال الْمُذكِّر: ماذا عملت؟ فقال: هَزمتُ السبعينَ فَجاءت أمُّهم فَهزمتني. /76/
والْمُرَاد بِ«الرجيم» الْمَرمي بِسهم اللعن والشقاوة. وَقِيلَ: مرجوم بالعذاب.
وَقِيلَ: بالسمِّ، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
وَقِيلَ: مَطرود عن الرحمة والْخَير ومنازل الْملأ الأعلى.
وَقِيلَ: مرجوم بالشهب عند استراق السمع.
فالرجيم في هذه الوجوه كُلّها بِمَعنَى الْمرجوم.