الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢٧٦ثُمَّ اختَلَفوا من جهة أخرى: فَقَالَ بَعضُهُم: إن خرج الإِمَام من الْمَسجِد وَلَمْ يقدِّم أحدا فسدت صلاتهم. وَقِيلَ: لا تفسد.
ولا أعرف وجه القول الأَوَّل إِلاَّ أن يَكُون مَبْنِيّا عَلَى القول بالارتباط، ويغتفرون أَوَّل الْحال من النواقض حَتَّى يستخلف الإِمَام أو لا يستخلف. وبالْجُملَة فهو من الضعف بِمكَانِ.
- وثانيها: أَنَّهُ لا يستخلف مطلقا؛ لأَنَّهُ تنتقض صَلاَة من خلفه بانتقاض صلاته، وَإِذَا انتقضت صَلاَة من خلفه فلا معنى للاستخلاف فيها.
- وثالثها: أَنَّهُ إن عَارضه في صلاته قيء أو رعاف أو خدش استخلف وَإِلاَّ فلا. وحُجَّة هذا القول قد تَقدَّمت.
وَأَمَّا القائلون /377/ بالاستخلاف مطلقا: فقد احْتجُّوا بِمَا روي عن «النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ جاءَ والناس في الصَّلاَة يؤمُّهم أبو بكر فأشار إليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن أَقِم مَكَانَك، فتأخَّر وتَقدَّم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وصَلَّى بِهم»، فكَانَ ذَلِكَ عندهم دليلا عَلَى جواز الصَّلاَة بإمامين بعضهم بَعْدَ بعض.
وفيه نظر؛ لأَنَّ صَلاَة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - لَمْ تكن كصَلاَة القوم؛ لأَنَّ الظاهر إِنَّمَا صَلَّى بِهم من أَوَّل الصَّلاَة، والاستخلاف إِنَّمَا يَكُون حيث انتهى الإِمَام الأَوَّل.
ويُمكِن أن يستدلّ عَلَى ذَلِكَ أيضا بقياس بعض الصَّلاَة عَلَى جَمِيعها، وذَلِكَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يستخلف عَلَى الصَّلاَة غيره، وَإِذَا ثبت الاستخلاف في جُملتها ثبت في أبعاضها، والله أعلم.
وَأَمَّا صفة الاستخلاف: فعلى قول الْمَشَارِقة لا مؤنة فيه سواء أمر أحدا بالإشارة أو بالتكَلُّم. وقد نقل أبو الْمُؤثِر: أن مُحَمَّد بن مَحبُوب عناه أمر في صلاته فقال لزياد بن مثوبة: "تَقدَّم يا أبا صالح".