مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨الشرط الثاني: أَنَّ لا يَرد الأمر مشروطا به احترازًا من نَحو "اصعد السطح إن كَانَ السلَّم مَنصوبا"، فَإنَّهُ لا يَجب عَلَيه أن ينصِّب السلَّم؛ لأَنَّ الآمر لَمْ يُوجِبُ عَلَيه الصعودَ إِلاَّ حَيثُ وجده منصوبًا لا غَير.
الشرط الثالث: أن لا يقوم غَيره مقامه فِي التوصُّل إِلَى فِعل الواجبِ احترازًا من أن يَقُول: "أعط فلانا وديعته" وهو يَحتاج إِلَى القيام وفتح الباب، ويقومُ مقامه أن يَقُول للمُودِع: "خُذها من مكان فلان" ويشير إِلَى موضعها، فَإنَّهُ لا يَجب عَلَيه القيام بنفسه لقيام غَيره مقامه.
قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يَجب بِهَذِهِ الشروط؛ لأَنَّ الحكيم إِذَا أمر بأمر فقد وَجَبَ عَلَى الْمَأمُورِ تَحصِيل الْمَأمُورِ به عَلَى كُلِّ حال، وَهَذَا يقتضي وُجُوب ما لا يتمّ الواجب إِلاَّ به؛ لأَنَّهُ لَو لَمْ يَجب لكان الآمر كَأَنَّهُ قَالَ: افعل كَذَا وأنتَ مُخيَّر فِي فعل ما لاَ يتمّ إِلاَّ به، وَهَذَا يستلزم تَكلِيف ما لا يُطَاق أَو بَعض الحتم وهو لا يصدر من حكيم، فاستلزم الأمر بالشيء الأمر بِما لا يَتمّ إِلاَّ به.
قلت: وَهَذَا الْقَول هو الصَّحِيح لِمَا ذكر من الإلزام.
واعلَم أَنَّ الخلاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُو وارد عَلَى شرطٍ لَمْ يَقم دليل عَلَى وَجوبه بنفسه إِلاَّ من حَيثُ وُجُوب المشروطِ، فأمَّا الإِسلاَم والْخِتَان فقَد قامَت الأَدِلَّة عَلَى وُجُوبِهما من غَير هَذِهِ القاعدة، فلاَ يسوغ الخِلاَف فِيهما كما ساغ فِي هَذِهِ القاعدة، وَإِنَّمَا ذكرناها فِي هَذَا الموضعِ لأجل المناسبة فَقَط.
احتَجَّ أَهْل الْقَول الأَوَّل بأنَّ الوُجُوبَ إِنَّمَا يَثبت بالأمر، والأمر لَمْ يتناول إِلاَّ الْمَأمُور به دون ما لا يتمّ إِلاَّ به، فلا وجه لوصفه بالوُجُوب.
وَرُدَّ: بِأَنَّهُ لو لَمْ ينتظمه الأمر لَزم تَكلِيف ما لا يُطَاق، وهو غَير جائز كما مرّ.