مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٧وَرَدَّه القاري: بِأَنَّهُ ما وَرَدَ أَنَّهُ قال - صلى الله عليه وسلم - : "نَوَيت الحجَّ"، وَإِنَّمَا وَرَدَ: «اللَهُم إِنِّى أريد الحجَّ… الخ»، وهو دعاء وإخبار لا يقوم مقامَ النيَّة إِلاَّ بِجعله إنشاءً، وهو يتوقَّف عَلَى العقد، والقصد الإنشائِي غَير معلوم، فمعَ الاحتمال لا يَصِحُّ الاستَدَلال، ومع عدم صحَّته جَعله مَقيسا مُحال.
وَأَيضًا: فإنَّ الأصلَ عَدم وقوعه حَتَّى يوجد دَليل وُرُوده، وقَد ثَبت أَنَّهُ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم قَام إِلَى الصَّلاَة فَكَبَّر، فلَو نطقَ بشَيء آخَر لَنقَلوه، ووَرَدَ فِي حَدِيثِ المسيء صلاَته قالَ: «إِذَا قُمت إِلَى الصَّلاَة فكبِّر»، فدلَّ عَلَى عدم وجود التلَفُّظ.
وذكر أبو داود أَنَّهُ قال: قلت للبخاري: هل تقول شَيْئًا قبل التكبير؟ فَقَالَ: لا.
وبِما ذَكرنَاه يتَبيَّن فَساد بقيَّة كَلاَم ابن حَجَر مِن قَوله: "وأيضا فَهُوَ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم لاَ يَأتِي إِلاَّ بالأكمل… الخ".
وقَد عَلمت أَنَّ الأفضل المكمل عَدم النطق، مع أَنَّ دعوى الإِجمَاع غَير صحيحة، فإنَّ المالكيَّة قَالُوا بكراهتِه، والحنبليَّة نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ بِدعة غَير مُستَحَبّ، وإن أراد به الاتِّفاق بينَ الشافعيَّة والحنَفِيَّة فلَيسَ عَلَى الإطلاق، بل مَحلُّه إن احتاج إِلَيه بالاستعانة عَلَيه، وقد ثَبتَ تركه عِندَ الحفَّاظ الْمُحدِّثين بلاَ رَيب، فقَوله: "والشكُّ لا يُعارض اليقين" مُجازَفة عَظيمة مِن أعجب العجائب الذِي يتحَيَّر فِيه أولوا الألبابِ، حَيثُ جَعل الوهم يقينا، وثُبُوتِ الحفظ رَيبا.