مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٩وأقول: أَمَّا استحبابُ التلَفُّظ بِمُقتَضَى النيَّة فلا وَجه لتحريمه سَواء نُقِل ذَلِكَ عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَو لَمْ يُنقل، كيفَ وَقَد نُقِل عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «اللَّهُم إِنِّى أريدُ الحجَّ»، فَفي هَذَا ما يَدُلُّ عَلَى جواز التلَفُّظ بالنيَّة بل عَلَى استحبابه، والحجُّ عِبَادَة ومِثله سائر الْعِبَادَات، فأمَّا مَا اعترضَ به القارِي /118/ من الاِحتِمَالاَت فَهُوَ عَلَى خِلاَف الظَّاهِر، بل الظَّاهِر هو أَنَّهُ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم إِنَّمَا أظهر مُقتَضَى نيَّته، وكَذَلِكَ ما ذكره القسطلاني من التعقُّب لِهذا الاستَدَلاَل بِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم قالَ ذَلِكَ فِي ابتداء إحرامه تَعليما للصحابَة ما يُهلُّونَه به ويَقصدونه من النُّسُك، فإنَّ كون ذَلِكَ تعليما للصحابَة لا يُنافي كونه مُظهرا لنيَّته وقصده، بل الظَّاهِر أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا أظهرَ ذَلِكَ تَعبيرا عَن مُقتَضَى نيَّته، وتَعليمًا لأَصحَابِه أَن يَقتدوا به، فثبت جواز ذَلِكَ بل استحبابه.
وَأَيضًا: فَلو لَمْ يُنقل عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْء مِن هَذَا لَمَا كَانَ لتحريمه مَعْنًى؛ لأَنَّ المسلمين قَد استحسَنوه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «مَا رَآه الْمُسلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِندَ اللهِ حَسَن» رواه المناوي فِي كنوز الدقائق عن أحمد بسنده، فلَيسَ التلَفُّظ بِمُقتَضَى النيَّة الذِي استحبَّه المتأخِّرون أشدُّ حالا من الأشياء التي استحسنهَا الصحابة وفعلوها، ولم يَكن شَيْء منها فِي عَهده - صلى الله عليه وسلم - .