الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٤١قال أبو الْحَوارِي: وقالوا: ينزع /67/ من الشهيد الدرع وما كان من لبس الْحديد، وهذا إِذَا قتل في معركة. وقال الْحسن البصري وسعيد بن الْمُسيّب: يغسل الشهيد. وأعجبَ ذَلِكَ أبا سعيد إذا لَمْ يَخف الضرر فيه وأمكن غسله؛ لأَنَّ ذَلِكَ زيادة في طهارته وكرامته.
قُلتُ: بل كرامته إبقاؤه عَلَى ما أَمرَ الشارع، وبدنه طاهر فلا يَحتاج إِلَى تطهير، ودمه يشهد له يوم القيامة بالفضل.
ووافقنا قومنا في ترك الغسل، وخالفونا في الصلاة فقالوا: لا يُصَلَّى عَلَى الشهيد لاستغنائه عن دعاء الناس. ثُمَّ اختلفوا فيما بينهم:
فقال مالك وأحمد وأكثر الشافعية: إِنَّها حرام. وقَالَ بَعضُهم: لا تَجِب عليهم ولكن تَجوز. وقال ابن حزم الظاهري: إن صلِّي عَلَى الشهيد فحسن، وإن لَمْ يصلَّ عَلَيهِ فحسن.
وَالْحُجَّة لنا عَلَى أَنَّهُ لا يغسل: حديث الربيع من طريق ابن عباس عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمَقْتُولُ /68/ فِي الْمَعْرَكَة لاَ يُغَسَّلُ، فَإِنَّ دَمَهُ يَعُودُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وعن أبي هريرة عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ»، وَالْحِكمَة في ذَلِكَ إبقاء أثر الشهادة عليهم.