الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٧٣فإن قيل: لا نسلِّم أن الواجب هاهنا حقّ واحد بل حقوق متنوعة انضمَّ بعضها إِلَى بعض بدليل أنَّ له أن يقضي اليوم حقا وفي غد الْحَقّ الثاني والثالث، فظهر أَنَّه حقوق لا حقٌّ، وكذَلِكَ الاغتسالات له أن يجمعها في مقام واحد وأن يفرقها في مقامين أو أكثر.
قُلنَا: لا نسلِّم بصحة تفريق الْحَقّ الْمجتمع من /125/ جُملة أسباب إذا صار في ذمَّته جملة إلاَّ بعجز عن الأداء، أو توسيع من صاحب الدين، فَأَمَّا إذا ضيق وكان هو قادرا وجب الدفع جملة فظهر أَنَّه حقّ واحد.
سلَّمنا، فليس التفريق في القضاء بأشدّ من التفريق فِي الغسل الواحد، فإِنَّه قد قيل: هو الصحيح أَنَّهُ لا يقتضي التوالي بل يَصِحّ فِيه التواني، فيجوز غسل بَعض الأجزاء أَوَّل النهار وبعضها بعد الزوال إن لَمْ يخش ضررا، ويكون ذَلِكَ غسلا واحدا، فكذَلِكَ الغسل الْمفرّق في القضاء، وَالله أعلَم.
التنبيه الثالث: في غسل الْمُحرِم
وقد اختلف الناس فيه: فذهب أصحابنا والشافعي وأحمد أَنَّه لا يَمسّ طيبا، زاد أصحابنا ولا يُحنّط، وَإِنَّمَا يغسل بِماء وسدر.
وَقِيلَ: لا يغسل إِلاَّ بِماء قراح.
وقال أبو حنيفة ومالك: حكمه حكم سائر الْمَوتى، ونقل هذا القول عن عائشة وابن عمر، قالت عائشة: "إِنَّه حين /126/ مات ذهب عنه الإحرام".
وقد مات ابن لعبد الله بن عمر فلم يغطّ رأسه وَلَمْ يحنِّطه وقال: "لولا أنَّا مُحرمون لطيَّبْناه"، ومثله الْمميتة لتحريم الطيب عَلَى الكلِّ.
وَقِيلَ: ليست مثله بَل يَجوز أن تطيّب؛ لأَنَّ حرمة الطِّيب عليها للإحداد وقد زال بالْمَوت؛ لأَنَّ العِلَّة في منع الطِّيب عن الْمحرِم إِنَّمَا هو بعثه مُلَبِّيًا، ولا كذَلِكَ الْمميتة.