الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٥٦قال في الزواجر: "وأقولُ: قد وقع لي نظير ذَلِكَ أَنِّي كنت وأنا صغير أتعاهد قبر والدي /430/ للقراءة عَلَيهِ فخرجت يوما بعد صلاة الصبح بغلس في رمضان، بل أظن أن ذَلِكَ كان في العشر في الأواخر بل في ليلة القدر، فَلَمَّا جلست عَلَى قبره وقرأت شيئا من القرآن وَلَمْ يكن في الْمَقْبَرَة غيري، فإذا أنا أسمع التأوُّه العظيم والأنين الفضيع بآه.. آه.. آه.. وهكذا بصوت أزعجني من قبر مبنِيٌّ بالنّورة والْجصّ له بياض عظيم، فقطعت القراءة واستمعت، فسَمِعت صوت ذَلِكَ العذاب من داخله، وذَلِكَ الرجل الْمعذّب يتأوَّه تأوُّها عظيما بِحيث يقلق سَماعه القلب ويفزعه فاستمعت إليه زمنا، فَلَمَّا وقع الإسفار خفي حسُّه عنِّي، فمرَّ بِي إنسان فقُلتُ: قبر من هذا؟ قال: قبر فلان، رجل أدركته وأنا صغير وكان عَلَى غاية من ملازمة الْمَسجِد والصلَّوات في أوقاتها والصمت عن الكلام، وهذا كُلّه شاهدته وعرفته منه، فكبُر عليَّ الأمر جدا لِما أعلمه من أحوال الْخير التي كان ذَلِكَ الرجل ملتبِسا /431/ بِهَا في الظاهر، فسألت واستقصيت الذين يطلعون عَلَى حقيقة أحواله فأخبروني أَنَّه كان يأكلُ الربا، فَإنَّهُ كان تاجرا ثُمَّ كبر وبقي معه شيء من الْحطام فلم ترض نفسه الظالمة الْخَبيثة أن يأكل من كسبه حَتَّى يأتيه الْمَوت بل سوَّل له الشيطان مَحبَّة الْمعاملة بالربا حَتَّى لا ينقص ماله فأوقعه في ذَلِكَ العذاب الأليم، حَتَّى في رمضان وحتَّى في ليلة القدر.