الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٣وأقول: إن العِلَّة في ذَلِكَ إيذاء الْمَيِّت لِحديث عُمَارَة بن حَزْم قال: رآني رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا عَلَى قبر فقال: «يَا صَاحِبَ القَبْرِ انزِلْ مِن عَلَى القَبْرِ لاَ تُؤذِي صَاحِبَ القَبْرِ ولاَ يُؤذِيكَ».
وسئل ابن مسعود عن الوطء عَلَى القبر؟ قال: كما أكره أذى الْمُؤْمِن في حياته فإنِّي أكره أذاه بعد موته.
وقد قيل: إن الْمَيِّت تدرك روحه ما يفعل به فيحسُّ /459/ ويتأذَّى كما يتأذّى الْحيّ، ولكن هذا خاص بالحال الذي تُردُّ فيه روحه إِلَى جسده لِما أراد الله به من كرامة أو إهانة، وأَمَّا عِندَ مفارقة الروح للجسد فلا حسّ.
وَالْحُجَّة للجمهور: أن الْمُرَاد بالقعود مطلق الْجُلُوس لِحديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُور وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا».
وحجَّة مالك: رواية ابن وهب في مسنده عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «مَن جَلَسَ عَلَى قَبْر يَبُولُ عَلَيهِ أَو يتَغَوَّط (فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةِ نَارٍ)».
قُلنَا: الكلُّ منهيٌّ عنه، ولا يلزم من ثبوت هذا حمل باقي الأَدِلَّة عليه، وقد اتَّفقوا أن القعود عَلَى القبر للبول أو الغائط حرام، واختلفوا فيه لغير ذَلِكَ: فقيل: حرام، وَقِيلَ: مكروه.
وَحُجَّة الأَوَّل: حديث أبي هريرة قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لأَن يَجلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمرةٍ فَتَحرِق ثِيَابَهُ فَتخلُصَ إِلَى جِلدِهِ خَير لَه مِن أَن يَجلسَ عَلَى قَبْر» /460/ ففي هذا الْحَدِيث وعيد شديد، ولا يكون ذَلِكَ إِلاَّ في الْمحرم.
ورُدَّ: بأَنَّه مَحمول عَلَى القعود للحدث.