الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٧وأقول: إن الشرع قد اعتبر هَذِه الْعَلاَمات فلا سبيل إِلَى إلغائها، وقد وضع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حجارة عَلَى قبر عثمان بن مظعون يعلمه بِها، وقد مضى السلف وخلف من بعدهم خلف والناس لا يعرفون الْقُبُور إِلاَّ بِهَذِهِ الْعَلاَمات، وهم مع ذَلِكَ /466/ يَحترمونها ويَجعلون لَهَا حقوق الْقُبُور، وأين السبيل إِلَى صحَّة الشهرة أو ثبوت البيِّنة في هذا؟ فإذا لَمْ تعتبر الدلائل سقطت حقوق غالب الْقُبُور إِلاَّ اليسير منها، وليست البيِّنة أو الشهرة مشروطة في كُلّ موضع، بل إِنَّمَا تشرط الْبَيِّنَة في مقام الْخصومات، والشهرة في نقل الأخبار.
وبقيت أمور تثبت بالدلائل والْعَلاَمات، ومن ذَلِكَ الْمَسَاجِد فإِنَّها لا تَمتاز عن البيوت إِلاَّ بالهيئة الْمَخصُوصة والْمَحراب من جهة القبلة، ومن الْمَعلُوم أن هذا ليس ببيِّنة ولا شهرة ولكنَّه دلالة وعلامة، فكذا القول في الْقُبُور، وَاللهُ أَعلَم.
خَاتِمَة: في زيارة الْقُبُور، وفيها تَنبِيهَات:
الأَوَّل: في حكم زيارتِها
وقد اتَّفقوا عَلَى أَنَّه مأمور بِهَا؛ لِحديث [عبد الله بن] بريدة [عن أبيه] قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ الْقُبُورِ ألاَ فَزُورُوهَا».
واختلفوا في معنى هذا الأمر: فمنهم من قال: إِنَّه للرخصة وهي الإباحة بعد الْمَنع، وهو /467/ معنى قول أبي الْحسن: إِنَّهم لا يُحِبُّون أن يذهب متعمِّدا للزيارة إِلاَّ أن يكون مع جنازة أو يكون مارًّا عَلَى القبر.
وَمِنهُم من قال: إِنَّه للاستحباب، وعليه الْجُمهُور من قَومنا؛ بل ادَّعى بعضهم الإجماع عليه.
وحكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها آخذا بظاهر الأمر فإن أصله الوجوب.
قُلنَا: ذكره بعد النهي قرينة تصرفه عن الوجوب.