الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٠فالقوة النظرية: كمالُهَا في التعظيم لأمر الله. والقوة العملية: كمالُهَا في الشفقة عَلَى خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إِلَى الْخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم، دافعًا للآفات عنهم، ولهذا السر قال –عَلَيه الصلاَة والسلام-: «تَخَلَّقُوا بِأَخلاَقِ اللهِ».
ومنها: أن الْخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع، ومالت نفوسهم إليه لا مَحالة عَلَى ما قاله -عليه الصلاة والسلام-: «جُبِلَت القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَن أَحسَنَ إِلَيهَا، وَبُغضِ مَن أَسَاءَ إِلَيهَا»، فَالفقراء إذا علموا أن الغني يصرف إليهم طائفة من ماله، وأَنَّه كُلّما كان ماله أكثر الذي يصرفه إليهم من ذَلِكَ أكثر أمدوه بالدعاء، وللقلوب آثار، وللأرواح حرارة؛ فصارت تلك الدعوات سببا لبقاء ذَلِكَ الإنسان في الخير والخصب بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «حَصِّنُوا أَموَالَكُم بِالزَّكَاةِ».
ومنها: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إِلاَّ أَنَّه يتوسَّل به إِلَى الاستغناء عن غيره. فأَمَّا الاستغناء عن /13/ الشيء فهو الغنى التام، ولذَلِكَ كان الاستغناء عن الشيء صفة الْحَقّ، والاستغناء بالشيء صفة الْخلق، فالله سبحانه لَمَّا أعطى بعض عبيده أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء بالشيء، فإذا أمره بالزكاة كان الْمَقصُود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء إِلَى المقام الذي هو أعلى منه وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء.
وَمِنهَا: أن الْمَال سريع الزوال، مشرف عَلَى التفرق، متحقّق الذهاب، فما دام في يده فهو كالمشرف عَلَى الهلاك والتفرق، فإذا أنفقه في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يُمكن زواله، فإِنَّه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة.