معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٤١٥

والْحجّة لنا: قوله تَعالَى: ﴿ فَكَاتِبُوهُم إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ﴾، فإنّه تَعالَى لَمّا أمر بِمكاتبتهم أمره بإعطائهم مِن مَال الله فهو كالنّص في معنَى الدّفع إليهم، خاصّة وقد جاء أنّه لَمّا كاتب سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أعانه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى اجتمعت عنده ثلاثمائة نَخلة، فغرسها النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فحملت من عامها إلا نَخلة غرسها عمر، فانتزعها النّبِيّ وغرسها بيده فحملت، فأتى النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بِمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض الغزوات، فقال: «مَا فَعَلَ الفَارِسِيُّ الْمُكَاتِبُ؟»، فدعى سلمان فقال: «خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَان». قال: وأين تقع هذه يا رسول الله مِمَّا عليَّ؟، فلمَّا قال سلمان ذلك أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلَّبها على لسانه ثُمّ أعطاها سلمان فأخذها فأوفى منها حقّهم كلّه أربعين أوقية.

وعن الْحسن البصري: أنّ مكاتبا قام إلى أبي موسى الأشعري وهو يُخاطب يوم الْجمعة فقال له: أيّها الأمير، حثّ الناس علي. فحثّ عليه أبو موسى فألقى النّاس عليه: هذا يلقي عمامة، وهذا يلقي ملاءة، وهذا يلقي خاتَما، حتّى ألقى النّاس عليه سوادا كثيرا. فلمّا رأى أبو موسى الأشعري ما ألقي عليه قال: "اجْمعوه"، ثُمّ أمر به فبيع فأعطى الْمكاتب مكاتبته، ثُمّ أعطى الفضل في /539/ الرّقاب ولَم يردّه على النّاس، وقال: إنّ الذي أعطوه في الرّقاب.

وأيضا: فإنَّ الرّكن الأعظم في أداء الزّكاة التّمليك، ولا يتصوّر من القِنِّ؛ لأنّها لا تَخلو إمّا أن تكون مصروفة لِمولاه، أو إلى نفس العبد، ولا يَجوز أن يكون الأوّل؛ لأنّه قد يكون غنيّا، ولا الثاني؛ لأنّ العبد لا يَملك رقبة نفسه بذلك، فتعيّن صرفها إلى الْمكاتب؛ لأنّه حقيق بِها، ولا سبيل للمولى على ما في يده.

٣٬٢٧٠ / ٣٬٧٥٢