الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ١٠ · صفحة ١٦قال الغزالي: إنّ ما نقل من اختلاف النّاس في هذا ليس اختلافا في الْمسألة بل هو اختلاف حال، فكشف الغطاء في هذا أنا لا نَحكم حكما بتًّا بأنَّ الإخفاء أفضل في كلّ حال والإظهار أفضل، بل يَختلف ذَلِكَ باختلاف النّيّات، وتَختلف النّيّات باختلاف الأحوال والأشخاص، فينبغي أن يكون الْمخلص مراقبا لنفسه حتّى لا يتدلّى بِحبل الغرور، ولا ينخدع بتلبيس الطّبع، ومكر الشّيطان، والْمكر والْخداع أغلب في معاني الإخفاء منه في الإظهار، مع أنّ له دخلا في كلّ واحد منهما، والله أعلم.
التنبيه السادس: في من تصدّق لوجه الله: هل له أن ينتفع بِها؟
وقد اختلفوا في ذلك: وأكثر القول أنّها لا ترجع إليه بوجه من الوجوه، وكان جابر -رحِمه الله- يكره ذلك ويقول: إذا رجعت إليك في ميراث فاجعل آخرها حيث جعلت أولَها، ولا ترث الصّدقة، ولا تقبلها، ولا تشتريها. وقال: من أعتق لوجه الله فلا يتزوّجها ولا ينتفع منها بشيء. وَقِيلَ: ليس /646/ له أن ينتفع به إلا أن يردّه إليه ميراث؛ لأنّ الْميراث حكم أثبته الله تَعالَى في مُحكم كتابه، وهو قول موسى بن أبي جابر، ويدلّ عليه حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة: أنّ امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنت تصدّقت على أمّي بوليدة، وأنّها ماتت وتركت تلك الوليدة. قال: «قَد وَجَبَ أَجرُكِ، وَرَجَعَت إِلَيكِ فِي الْمِيرَاثِ». إلاّ أن يقال: إنّ الصّدقة على الوالدين والأولاد مستثناة كما سيأتي.
وَقِيلَ: له أن يشتريه بثمن، وأمّا العطيّة والْهبة فلا. ورخّص في الشّراء من قومنا أيضا الْحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعي. وَقِيلَ: له أن ينتفع بِها مطلقا، بأيّ وجه من وجوه الْملك صارت إليه، وجزم به أبو مُحمّد، واختاره أبو سعيد.
وحجّتهم على ذلك: أنّ وجوه الْملك ثابتة في مواضعها، والصّدقة ثابتة في مواضعها، ولا ينقض شيء من الأحكام غيره.