الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٨قال: وفي الآية ما يَدُلُّ على ضعف هذه الروايات؛ لأنَّ المذكور في الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك على خلاف قول الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾؛ لأن ظاهره هو المباشرة؛ لأَنَّهُ افتعال من الخيانة.
فهذه أجوبته، وأكثرها متكلف، وخبر الآحاد في مثل هذا كاف، إذ ليس فيه زيادة على إثبات حكم ونسخه. وقد علمت أن أكثر الأحكام الشرعية الفرعية ثابت من هذا الطريق.
واستدلاله بالآية على ضعف تلك الروايات غير سديد؛ لأنَّ الاختيان المذكور فيها شيء كان قبل الاعتراف. وتأويله الاختيان بانتقاص الشهوات أن لو تركوا على اعتقادهم في الصَّوْم بعيد جدا فهو من التأويل المردود.
وبالجملة فإن الحكم المشار إليه قد كان ثابتا إجماعا ثُمَّ نسخ.
لكِنْ أبو مسلم يُخالف في إيجابه أوَّل الأمر على هذه الأمَّة خاصة، وليس عنده /12/ على ذلك دليل، واللهُ أعلَمُ.
الْمَسْأَلَة الثَّانِية:في الحكمة في مشروعية الصَّوْم
وقد ذكروا في ذلك أشياء:
منها: كونه موجبا لشيئين: أحدهما: ناشئ عن الآخر، سكون النفس الأمارة، وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج.
فإن الصَّوْم به تضعف حركتها في مَحسوساتِها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها. والناشئ عن هذا صفاء القلب عن الكدر فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيهما، وبصفائه تناط المصالح والدرجات.
ومنها: أَنَّهُ موجب للرحمة والعطف على المساكين؛ فإنَّه لَمَّا ذاق ألَم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إليه الرقة عليه. والرحمة حقيقتها في حقّ الإنسان نوع ألَمٍ باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء.
ومنها: موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانا، وفي ذلك رفع حاله عند الله.