الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٥٦فعن حذيفة قال: "قال عمر - رضي الله عنه - : من يحفظ حديثا عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟. قال حذيفة: أنا سمعته يقول: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَة». قال: "ليس أسأل عن ذِه، إِنَّمَا أَسأل عن التي تَموج كما يموج البحر". قال حذيفة: وإن دون ذلك بابا مغلقا. قال: "فيفتح أو يكسر؟" قال: يكسر. قال: "ذاك أجدر ألاَّ يغلق إلى يوم القيامة".
وفي حديث أبي هريرة مرفوعا: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَان مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِر». /77/
وفي حديث أبي سعيد مرفوعا: «مَنْ صَامَ رَمَضَان، وَعَرِفَ حُدُودَهُ، (وَتَحَفَّظَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفَّظَ) كَفَّر مَا قَبْلَهُ».
وفي حديث أبي قتادة: «إِنَّ صِيَامَ عَرَفَة يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وَصِيَامُ عَاشُورَاء يُكَفِّرُ سَنَة». وَمِِصدَاق ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
فالسيئات في الآيتين مقابلة للكبائر، وهي صغائر الذنوب فَإِنَّها مكفَّرة بالحسنات عند اجتناب الكبائر كما يستفاد من الآيتين. فأمَّا مرتكب الكبائر فإنَّ كبيرته تحبط عمله إِلاَّ إذا تاب فإنَّ التوبة تكفّر خطيئته، وتَجُبّ ذنوبه، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ…﴾ الآية، وهو مستثنى مِمَّن وجب عليه الخلود في النار بارتكاب الكبائر من الشرك والقتل والزنا.
ولا يعارض ما ذكرنا قوله في حديث آخر: «كلُّ العَمَلِ كَفَّارَة إِلاَّ الصَّوم»؛ لاحتمال أن يكون الْمراد: إِلاَّ الصيام فَإِنَّه كَفَّارَة وزيادة ثواب على الْكَفَّارَة.
ثُمَّ الْمراد بالصِّيام الذي هذا شأنهُ ما وقع خالصا سالِما من الرِّياء والشوائب، والله أعلم.