الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٤٥القول الأول: أنّها إن تقاربت البلاد كان الْحكم واحد، وإن تباعدت فلا يَجب على بعضهم رؤية بعض، وقيل: يَجب وإن تباعدت، وقيل: يعتبر لأهل كُلّ بلد رؤيتهم، ولا يلزم رؤية غيرهم، وقيل: لا يلزم أهل بلد /212/ رؤية غيرهم إِلاَّ أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم النّاس كلّهم؛ لأنّ البلاد في حقّه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الْجميع.
وقيل: يلزم أهل كُلّ بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم.
وقيل: لا يلزم إذا اختلفت الْجهتان ارتفاعا وانْحدارا، كأن يكون أحدهُما سهلاً، والآخر جبلا، أو كان كُلّ بلد في إقليم.
واختلف أرباب القول الأول في حدّ البعد الذي لا يلزم معه الْحكم بالرّؤية على أوجه:
أحدها: اختلاف الْمطالع، وهو الْموافق لِما عليه الأصحاب.
وثانيها: اختلاف الأقاليم، وهو دون ما قبله، ومعانِي الْمذهب تسوّغه.
وثالثها: مسافة القصر؛ وهي عندهم أبعد من مسافته عندنا، وقد تقدّم بيان ذلك، وهذا القول أبعد مِمّا قبله، ولا يَخرج عن الرّأي.
والْجميع من هؤلاء يَحتجّون بقول ابن عباس في الْخبَر الْمتقدّم، ووجه الاحتجاج به: أنّ ابن عباس لَم يعمل برؤية أهل الشام، وقال في آخر الْحديث: "هكذا أمرنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ".
فدلّ ذلك عَلَى أنّه قد حفظ من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنّه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية /213/ أهل بلد آخر.
وذكر ابن عبد البر: أنّ النّاس أجْمعوا على أنّه لا تراعى الرّؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس.
والعقل يوجب أنّ اختلاف الْمطالع بين الْجهتين يستلزم اختلاف الْحُكمين، فهذه الشّمس تكون عند قوم طالعة وعند آخرين غير طالعة، فهؤلاء يصلّون العصر لِحضور وقتها عندهم، والآخرون يصلّون الظهر لِحضور وقتها عندهم، فإنّ سيرها يكون بالتّدريج، ولكلّ قوم حكمهم.