الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٤لكنَّ الْمحكي عن هؤلاء أَنَّهُم أوجبوا الْوُضُوء من الضحك في الصَّلاَة، وَلَم يُقيّد ذَلِكَ عنهم بالقهقهة، فَمقتضى الْمحكيّ عنهم أنَّ الْوُضُوء ينتقض بكلِّ ما يطلق عَلَيهِ اسم ضحك إذا وقع في الصَّلاَة.
ونَحن لا نسلِّم بذَلِكَ بل نقول: إنَّ الضحك نَوعان: قَهقهة وتبسُّم، والأَوَّل هو الناقض دون الثاني.
وحكى صَاحِب الإشرَاف عن عطاء بن أبي رباح والزهري وعروة بن الزبير ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور أَنَّهُ لا وُضُوء عَلَى من ضَحك في الصَّلاَة.
ومقتضى مذهبهم أنَّ الضحك مطلقا في الصَّلاَة لا ينقض الْوُضُوء، ونَحن نوافقهم في التبسُّم دون القهقهة.
وحجَّتنا عَلَيهِم: ما يُروى عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَن قَهقَهَ فِي الصَّلاَة أَعَادَ الطَّهَارَة وَالصَّلاَة»، ورُوِيَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - «أمر بإِعَادَة الصَّلاَة والطَّهَارَة من القهقهة في الصَّلاَة». وسبب ذَلِكَ: أنَّ أعمَى جاء يُريد الصَّلاَة وبادر إِلَى الْجمَاعة معَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصَّلاَة مَعه فتردَّى في بئر فضحك بَعْضهم، فأمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بإِعَادَة الطَّهَارَة والصَّلاَة عَلَى من قَهقه.
ورُوِيَ عن مُحَمَّد بن سيرين أَنَّهُ قَالَ: كنَّا صبيانا إذا ضَحكنا في الصَّلاَة نُؤمر بإِعَادَة الطَّهَارَة والصَّلاَة، ومعلوم أنَّ الأمر بذَلِكَ كَانَ في أَيَّام الصَّحَابَة، وَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرا فيما بينهم، وَالله أَعلَم.
وإن قِيلَ: إذا كانت القهقهة في الصَّلاَة ناقضة للوُضُوء وجب أن تكون كَذَلِكَ في غَيْر الصَّلاَة.
قُلنا: لا يَجِب ذَلِكَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام قد خصَّ ذَلِكَ الْحُكم بالقهقهة في الصَّلاَة، فهي سُنَّة عَلَى حِيَالِها فلا /283/ يصحُّ أن يقاس عَلَيْهَا القهقهة في غَيْر الصَّلاَة.