الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٦١وَحُجَّتهم في ذَلِكَ: أَنَّهُ إذا ثبت العفو عن قليل النجس مع الْحُكْم بنجاسته، وكان بدن الْجُنُب طاهرا فهو أولى بالعفو عن القليل منه.
قال أبو مُحَمَّد: والذي نَختاره قول من ذهب إلى أن قليل النجاسة وكثيرها من الدم وغيره مِمَّا أمر بغسله سواء في القلَّة والكثرة كنحو دم القملة.
وكلّ نَجاسة لَها عين مرئيَّة أو مستدلّ عَلَى وجودها فحكمها حكم النجاسة قلَّ ذَلِكَ أو كثر، ولا نَجعل لذَلِكَ حدًّا؛ لأَنَّا أمرنا بتطهير أشياء، ولَم يرد عن الأمر بتطهيره عفو عن بعضه ولا عن قليل منه، فإذا عدمنا الدلالة عن ذَلِكَ كنَّا عَلَى الأمر، ووجب علينا استفراغ ما عمَّ اسمه للأمر به، وليس لنا أن نضع حدًّا ونِهاية في الشريعة، ونبيح بعض ما حظر علينا؛ لأَنَّ الْحدود والنهايات إلى مَن إليه العبادات يضعها عَلَى ما يشاء وهو العليم الحكيم.
ويُجَابُ: بأنَّ للقائلين بالعفو عن ذَلِكَ أدلَّة من السنَّة، فَإنَّهُ روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «الوُضُوءُ مِن كُلّ دَمٍ سَائِلٍ» وَ«لاَ وُضُوءَ مِن قَطرَةٍ أَو قَطرَتَينِ»، قال بعض قومنا: وهذا في غير أصحاب الضرورات.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «تُعادُ الصَّلاَةُ مِن قَدرِ الدِّرهَمِ مِنَ الدَّمِ»، فمفهوم الْحَدِيث أن ما دون الدرهم معفوّ عنه.
فمن هنا تعلم أَنَّهُم لَمْ يَجدوا في الشريعة حدًّا من قبل أنفسهم بل جاءوا بالحدود من مَحلِّها، وأخذوها من أصلها، لا يعترض عَلَيْهِم بقياس أبي مُحَمَّد، وإن كان الأصل الذي /327/ ذكره سديدا لو سلّم عدم الْمخصّص، لكن الْمخصّص موجود بِحمد الله، فلا وجه لِهذا الإلزام.