الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٣وقد خرَّج الشيخ أبو سعيد -رحمه الله تَعَالَى- في أحكام الغُسْل ما قيل من الْمَعَانِي في أحكام الوضوء؛ لأَنَّ الْجَمِيع طهارة وعبادة، والكلُّ شرط لصحَّة الصلاة، فما قيل من الاستحباب هنالك يثبت هاهنا، وكذَلِكَ ما قيل من الإلزام، فهما في ذَلِكَ عَلَى سواء تَخريجا عَلَى مَعَانِي أقوالهم، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا الترتيب: فهو غير واجب عند أكثرِ أَصحَابنَا وعند أكثر قومنا أيضا، لِما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ للغُسلِ تَارَةً يَغسِلُ قَدَمَيهِ قَبلَ غَسلِ جَسَدِهِ، وَتَارَةً يُؤَخِّرهُمَا، فَإذَا أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِه تَنَحَّى فَيَغسِل قَدَمَيهِ». قال إبراهيم النخعي: وكانوا لا يرون بتفريق الغُسْل بأسا.
وذهب بعض أَصحَابنَا وبعض مُخالفينا إلى ثبوت الترتيب في الغُسْل من الْجَنَابَة، كما ثبت ذَلِكَ في الوضوء. وَحُجَّتهم عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ ينقل إلينا قطّ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ ولا تطهَّر إِلاَّ مرتّبا.
والترتيب في الغُسْل أبين منه في الوضوء؛ لأَنَّه يكون بين الرأس وسائر الْجَسَد لقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: «إِنَّمَا يَكفِيهَا أَن تَحثِي عَلَيْهِ ثَلاَث حَثيَاتٍ مِن مَاءٍ، وَاغمِزِي /328/ قُرونكِ عِندَ كُلّ حَثيَةٍ، ثُمَّ تُفيضِينَ الْمَاءَ عَليكِ وَتَطهرِينَ».
ويُجَابُ: بِأَنَّه قد نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ للغُسلِ، تَارَةً يَغسلَ قَدَميهِ قَبلَ غَسلِ جَسدِه، وتَارَةً يُؤخِّرهُمَا، فإذَا أفاضَ الْمَاءَ عَلَى جَسدِهِ تَنحَّى فَيغسل قَدَميهِ»؛ فهذا الفعل الْمروي عنه - صلى الله عليه وسلم - مُخالف للترتيب المذكور، وَإِنَّمَا فعله عَلَيْهِ الصلاة والسلام لبيان الْجواز، فلا ينبغي أن يُخالف إلى غيره، وَاللهُ أَعلَم.
ومن فروع هذه الْمَسأَلة: