الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٦١وَالصَّحيح الذي عوَّل عَلَيْهِ الْمُصَنِّف القول بطهارتهما وإن أسكر؛ لأَنَّ الإسكار لا يَصلح أن يكون علَّة للنَّجَاسَة.
ثُمَّ إنَّ مستند القائلين بالنَّجَاسَة إِنَّمَا هو فساد النيَّة كما علمت، وأنت خبير بأنَّ النيَّة وصف لا يصلح علَّة للتنجيس، بل النيَّة علَّة لِحصول الثواب إذا صلحت وحصول الإثْم إِذَا فسدت.
وكيف تكون النيَّة علَّة لنَجَاسَة الأشياء الْمنفصلة عن الناوي؛ وهي وصف حال في الناوي لا في الْمنوي؛ فلو كانت النيَّة موجبة للتنجيس لكان الأولى بالنَّجَاسَة صاحب النيَّة لِحلول الوصف فيه، والإجِمَاع عَلَى أنَّ الفاسق الْموحِّد ليس بنجس، وإذا لَمْ تؤثِّر النيَّة نَجَاسَة في الناوي فتأثيرها النَّجَاسَة في الْمنوي أشدّ بعداً.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فلا يَدُلُّ عَلَى الْمطلوب؛ لأَنَّ غاية ما فيه أَنَّهُ - سبحانه وتعالى - امتنَّ عَلَى عباده باتِّخاذهم السكر والرزق الْحَسَن من ثَمَرَات النخيل والأعناب.
وقد قِيلَ: إنَّ هذا الامتنان كان قبل تَحريم الْخَمر، وعَلَى هذا فلا يَدُلُّ عَلَى تنجيس النبيذ لفساد النيَّة.
وَأيضًا: فقد اخْتَلَف الْمفسِّرون في مَعنَى السكر عَلَى ثَلاَثة أقوال:
- فَقالَ بَعضُهم: إنَّ السكرَ هو الْخَمر.
- وقال آخرون: إنَّ السكر هو عصير العنب إذا طبخ حَتَّى يذهب ثلثاه، ثُمَّ يترك حَتَّى يشتدّ، وهو حلال عند أبي حنيفة ما لَمْ يشرب منه ما يسكر به؛ فالْحرام عنده من هذا هو السكر لا الْمسكر. وَالْحَقُّ أَنَّهُ حرام قليله وكثيره.
وَقِيلَ: إنَّ السكر هو الطعام، قاله أبو عبيدة، وَاحتَجّ عَلَيْهِ بقول الشاعر:
جَعَلَت أَعرَاضَ الكِرَامِ سُكرًا
أي: جعلت ذمَّهُم طعاما لك.