الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٧١فإذا تنجَّست آنية النحاس وأشباهها مِمَّا لا يُنشِّف الرطوبات وجب غسلها حَتَّى يزول ذَلِكَ النجس إن كانت النَّجَاسَة عينا، وإن كانت النَّجَاسَة بولا أو شبهه مِمَّا لا عين له، فَإنَّهُ إِنَّمَا يَجب غَسله مَرَّة واحدة؛ لأَنَّ الغرض زوال النجس، ولا شكَّ أَنَّهُ قَد زال.
وَقِيلَ: لاَ بُدَّ من غَسلتين: الأولَى: مِنهمَا لِزوال النجس. والثانية: لإزالة ما قد يُمكن بَقاؤه من أثرِ النَّجَاسَة.
وَأيضًا: فتكرُّر الْمَاء مرَّتين مزيل للنَّجَاسَة بيقين، والْمَرَّة الأولى لا تزيله بيقين لكن يظنُّ زَواله بِها، وحصول النجاسة في الإناء متيقّن فلا بُدَّ من تيقُّن الطهارة.
وَقِيلَ: لاَ بُدَّ من ثَلاَث غسلات؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا انتَبَه أَحَدُكُم من نَومِه فَليَغسِل يَدَه ثَلاَثا قَبلَ أَن يُدخِلَها الإنَاءَ»، فغسل اليد ثَلاَثا إِنَّمَا يكون طهارة لَها من كُلِّ نَجَاسَة، والْحَال أَنَّهُ لا يرى عَلَيْهَا نَجس؛ فعلمنا أنَّ الثَلاَث الغسلات طهارة للنجس الذي لا أثر له؛ إذ لو يَجتزي بدون تلك لَما أمر بالثَّلاَث، فالثَّلاَث عبادة في إزالة النَّجَاسَة، ولا بدَّ من فعلها إذا تيقّن النجس وإن زال بِما دون ذَلِكَ.
فإن قِيلَ: إنَّ غسل اليد بعد الانتباه من النوم غير واجب فلا يَتِمُّ الاستدلال به عَلَى الوُجُوب في غيره.
أجيب: بأنَّ مَحلّ الاستدلال هو التحديد بنفس الثَّلاَث الغُسْلات مع قطع النظر عن كونِها واجبة أم غير واجبة.
وَوجهُ ذَلِكَ: أنَّ الثَّلاَث قد شرعت طهارة من النَّجَاسَة الْمشكوكة فلو لَمْ تكن الثَّلاَث هي الْحَدُّ في تطهير النجاسات التي لا عين لَها لَما كان لتحديدها مَعنَى، وَاللهُ أَعلَم.