الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٩٢قال أبو مُحَمَّد: وكذَلِكَ لو جاء إلى بئر وليس عنده حبل ولا دلو، وجب عَلَيْهِ شراء حبل ودلو ليتوصَّل إلى الْمَاء إذا وجد السبيل إلى شرائهما، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع الرابع: في الْمُسَافِر إذا لَمْ يكن عند ماء
وكان مع غيره ماء فعرض عَلَيْهِ، فالذي يقتضيه الدليل الشرعي ويناسب قواعد الْمَذهَب أَنَّهُ يَجب عَلَيْهِ قبول ذَلِكَ الْمَاء؛ لأَنَّه واجد للماء، وربُّنا تَعَالَى إِنَّمَا أوجب التَّيَمُّم عند عدم الْمَاء، فقال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾.
وَأَيضًا: فأَصحَابنَا يأمرون بالسؤال عن الْمَاء وطلبه لِمن لَمْ يَجده؛ فلو لَمْ يكن قبوله واجبا عَلَيْهِ ما كان لِهَذا الطلب مَعنَى.
وذهب الشافعية إلى: أَنَّهُ لا يَجب عَلَيْهِ قبول ذَلِكَ الْمَاء؛ لأَنَّ الْمنَّة في قبول الْهبة شاقَّة.
قال الفخر: وأنا أتعجَّب منهم؛ فَإنَّهُم لَمَّا جعلوا هذا القدر من الْحرج سببا لِجواز التَّيَمُّم، فلِم لَم يَجعلوا خوف زيادة الألَم في الْمرض سببا لِجواز التَّيَمُّم.
قُلتُ: وأنا أيضا أتعجَّب منهم مع أنَّ أصل الْمَاء الإباحة ولا منَّة، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ يَشربُ مِنَ الأَنْهَارِ» مع تَحرِيم الصدقات عَلَيْهِ؛ لأَنَّه لَمْ يكن عَلَيْهِ في ذَلِكَ غضاضة، ولا تلحقه منَّة.
ثُمَّ إِنَّهم لَمْ يثبتوا عَلَى ذَلِكَ الأصل الْمَنقُول عنهم حَتَّى نقضه الأكثر منهم فيما إذا أُعير منه الدلو أو الرشا:
فقال الأكثرون: لا يَجُوز له التَّيَمُّم؛ لأَنَّ الْمِنَّة في هذه /403/ الإعارة قليلة، وكان هذا الإنسان واجدا للماء من غير حرج فلم يَجز له التَّيَمُّم؛ لأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾ دليل عَلَى أَنَّهُ يشترط لِجواز التَّيَمُّم عدم وجدان الْمَاء.