الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٨فإن كان الكلُّ مُحدثين فقد قال الكلُّ من الناس: إنَّ عَلَيْهِم أن يَتَطهَّروا بالْمَاء ثُمَّ يصلُّوا إِلاَّ أن يكونوا في موضع قد أيسوا من وجود الْمَاء ويُخاف عَلَى الْمَيِّت إن أخَّروه إلى وجود الْمَاء فحينئذ يَجتمعون عَلَى التَّيَمُّم ويصلُّون عَلَيْهِ.
وإن كان بعض من حضر الْجنَازَة متطهِّرا بالْمَاء، ومنهم من ليس متطهِّرا به ففرض الصلاة لزم الْمتطهِّرين بالْمَاء دون من كان مُحدثا؛ لأَنَّ الصلاة عَلَى الْجنَازَة فرض عَلَى الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان الفرض قد لزم الْمتطهرين بالْمَاء دون الْمُحدِثِين لَمْ /417/ يكن للمتنفِّل تَيَمّم في الْحَضر إِلاَّ بطهارة الْمَاء، إذ النفل يصحُّ في كُلّ وقت إِلاَّ في الأوقات الْمَنهِيّ عن الصلاة فيها.
والْجَوَاب: أنَّ ما ذكره من التقسيم لا يَمنع ذَلِكَ القياس؛ لأَنَّ وجه الْمشابَهة بين الْمَفرُوضة وصلاة الْجنَازَة إِنَّمَا هو خوف الفوت وقد حصل، وإن قام بالفرض بعضهم؛ لأَنَّ الْمشبّه إِنَّمَا هو خوف فوت تلك الصلاة مع قطع النظر عن كونِها نفلا أم فريضة؛ فلا يتوقَّف خوف الفوت عَلَى فوت الفرض فقط.
حاصل الْجَوَاب: أنَّا لا ندَّعي أنَّ العِلَّة وصف الفوت مقيَّدا بالفرض، وَإِنَّمَا نقول: إنَّ خوف الفوت نفسه هو العِلَّة الْجَامِعة بين الأصل والفرع.
وَأَمَّا قوله: "لَم يكن للمتنفِّل تَيَمّم في الْحَضر…الخ" فغير مسلَّم أيضا، بل ذَلِكَ يصحّ إذا خاف فوت الفضيلة إِلاَّ إذا تَيَمّم لَها.