مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٧٨ولَمَّا انتشرَ الإِسلاَم، واتَّسعَت الأمصارُ، وتَفَرَّقَت الصَّحَابَةُ في الأقطارِ، وحدَثَت الفتَن، واختلاف الآراء، وكَثُرت الفتاوَى والرجوعُ إِلَى الكبراءِ، أَخذُوا فِي تدوينِ الْحَدِيث والْفِقْهِ وعُلُوم القرآن، واشتغلُوا بالنظرِ والاِستِدلاَلِ والاجتهادِ والاستنباطِ وتَمهيدِ القواعدِ والأُصُول، وترتيبِ الأبوابِ والفصولِ، وتَكثير الْمَسَائِل بأدلَّتهَا، وإيرادِ الشبَه بأجوبتِهَا، وتَعيين الأوضاعِ والاِصطِلاَحاتِ، وتَبيِين المذاهبِ والاختلافاتِ، وكانَ ذَلِكَ مَصلحة عَظيمَة، وفكرَة فِي الصوابِ مُستقيمَة، فَرأَوا ذَلِكَ مُستَحبًّا بَل واجبًا لقضيَّة الإيجابِ المذكورَة مَع قَولِهِ - عَلَيهِ الصلاَة وَالسلاَمُ-: «الْعِلْم صَيدٌ وَالكِتَابَةُ قيدٌ، قَيِّدُوا رَحِمَكم الله تَعَالىَ عُلُومَكم بالكِتَابَة…» الْحَدِيث.
الفائدة الثالثة: فِي أَوَّل من صنَّف فِي الإِسلاَم
وَاعْلَمْ أَنَّه اختُلِف فِي أَوَّل من صنَّف، فقيلَ: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفَّى سنة خَمس وخَمسين ومائة. وَقيل: أبو النضرة سَعِيد بن أبي عروبَة المتوفَّى سنة ستٍّ وخَمسين ومائة، ذكرهُما الخطيب البغدادي.
وَقيل: ربيع بن صبيح المتوفَّى سنة ستِّين ومائة، قاله أبو مُحَمَّد الرامهرمزي. ثُمَّ صنَّف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس بالمدينة المنوَّرة، وعبد الله بن وهب بِمصر، ومعمر وعبد الرزاق باليمن، وسفيان الثوري ومُحمَّد بن فضيل بن غزوان بالكوفة، وحَمَّاد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة، وهشيم بواسِط، وعبد الله ابن مبارك بِخراسان، وكان مَطمحُ نَظرِهِم بالتدوينِ ضَبط مَعاقد القُرْآن والْحَدِيث ومَعانيهمَا، ثُمَّ دَوَّنُوا فِيما هو كالوسيلَة إِلَيْهِما.