مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٨٣الأَمْرَ الثالث: احتمالُ اللفظِ لِمعان تأويليَّة، أَو لطافَة الْمَعْنَى عَن أن يُعبِّر عنه بلفظٍ يُوضِّحه أَو للألفاظِ المجازيَّة، واستعمالُ الدلالَة الالتزاميَّة، فَيحتاج الشارحُ إِلَى بَيَان غرضِ الْمُصَنِّف وتَرجيحه، وقَد يقعُ فِي بَعْضِ التصانيفِ ما لا يَخلو البشر عَنه من السهوِ والغلطِ، والحذفِ لبَعْض المهمَّات، وتكرارِ الشيء بعينِه بغَير ضَرورة إِلَى غَير ذَلِكَ، فيحتاج أن يُنبّهَ عَلَيهِ.
الفائدة السادسة: [فِي من يُنكر التصنيفَ فِي هَذَا الزمان مُطلقا]
قال صاحب كشف الظنون: "ومِنَ الناس مَن يُنكر التصنيفَ فِي هَذَا الزمانِ مُطلقا، ولا وجهَ لإنكارِه من أهلِه، وَإِنَّمَا يَحملُه عَلَيهِ التنافسُ والحسد الجاري بَيْنَ أهلِ الأعصار، ولله درُّ القائلِ /44/ فِي نَظمه شعرًا:
قُل لِمَنْ لا يَرى … للمعاصِر شَيئًا … ويرَى للأوائلِ … التقدِيما
إِنَّ ذاكَ القديم … كانَ حَدِيثًا … وسيبقى هَذَا … الْحَدِيث قديما
قال: واعْلَمْ أَنَّ نتائجَ الأفكار لا تَقف عند حدٍّ، وتصرُّفات الأنظار لا تنتهي إِلَى غاية، بل لِكُلِّ عَالِم ومُتعلِّمٍ مِنها حظٌّ يُحرزه فِي وقتٍ مُقدَّر لَه، وليسَ لأحد أن يُزاحمه فِيه؛ لأَنَّ العَالَمَ المعنويَّ واسع كالبحر الزاخِر، والفيضِ الإلَهيّ ليسَ له انقطاعٌ ولا آخِر، والْعُلُومُ مِنَح إلَهيَّة، ومَواهب صمدانيَّة، فَغير مُستَبعَد أَن يدَّخر لِبَعض المتأخِّرين ما لَمْ يدَّخر لِكثير من المتقَدِّمين، فلاَ تَغتر بقولِ القائل: "مَا تَركَ الأَوَّل للآخِر" بل القولُ الصحيح الظاهِر: "كَم تَرك الأَوَّل للآخِر"، فإنَّما يُستَجاد الشيءُ ويسترذلُ لِجودَته وَرَدَاءتِه فِي ذاتِه لا بِقِدَمه وحدوثِه.