الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١١٧الْحُجَّة لأرباب القول الأَوَّل: ما روي عن ابن عمر أَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - يتنوَّر في كُلّ شَهرٍ، ويَقصُّ أَظفَاره في كُلّ خَمسَة عَشر يَومًا».
ففي هذا الْحَدِيث ما يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْحَلق في كُلّ شهر مَرَّة. فَأَمَّا أبو عبد الله مُحَمَّد بن مَحْبُوب فَجعل ذَلِكَ استحبابا.
وَأَمَّا البعض القائل: إِنَّه لا يَدعها أكثر من شهر فَجعل ذَلِكَ تأكيدا في الْحَلق في كُلّ شهر.
ودرجة الاستحباب الذي ذكره أبو عبد الله دون درجة التأكيد الذي أشار إليه ذَلِكَ البعض، وَاللهُ أَعلَم.
والْحُجَّة للقول الذي ذكره ابن روح ما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - : «مَن كانَ يُؤمِن بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَلا يَدَع عَانتَه أَكثَر مِن أَربَعِين يَوما، ومِنَ النساءِ أَكثَر مِن عِشرِينَ يَومًا».
ورُدَّ: بِأَنَّه لو صحَّ هذا لكان مَن لَمْ يفعل كفر. قال أبو سعيد: لأَنَّه إذا كان الْمَعنَى أَنَّهُ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر /475/ فليفعل كذا وكذا" خرج في التأويل عَلَى مَعنَى الفرض، كما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «مَن كانَ يُؤمِن بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيْرًا أَو لِيَصمُت»، فكان هذا عَلَى مَعنَى اللزوم؛ فكان الصمت عن الكلام لازما إِلاَّ أن يكون الكلام خيرا.
والْجَوَاب: أَمَّا أَوَّلاً: فَإنَّهُ لا يَصِحّ القدح في الرواية بتوقُّف السامع عن الْحُكْم بِمقتضاها، وَإِنَّمَا يقدح فيها لأمور أخرى لَمْ يذكر الْمعترض منها شيئا، فإذا سلِمت من تلك القوادح وجب قبولها، والْحُكْم بِمقتضاها.
سَلَّمْنَا أنَّ الأشياخ لَمْ يَحكموا بكفرِ من ترك الْحَلق فوق الأربعين فَإِنَّهُم إِنَّمَا لَمْ يَحكموا بذَلِكَ؛ لأَنَّ الْخبر آحادي الإسناد، فلا يفيد القطع فلا يَصِحّ الْحُكْم معه بالتكفير؛ لأَنَّ التكفير لا يكون إِلاَّ بالدليل القاطع.