الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٢١وَأيضًا: فالسنَّة في جزِّ الشارب متواترة وإن كانت الأخبار في بيان ذَلِكَ آحادية، فمخالفة الْمُسلِمين في هذا الْمَعنَى مُخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكفى بِهَذَا ضلالا، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع الثاني: في الْحدِّ الذي يؤمر معه بِجزِّ الشارب
وفي ذَلِكَ مذاهب: /477/
أحدها: أَنَّهُ يراعى به حلق العانة عَلَى ما مرَّ من الْخِلاَف في ذَلِكَ؛ لأَنَّ كلَّ واحد من جزِّ الشارب وحلق العانة مسنون، فيؤمر بفعلهما في وقت واحد.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ إذا فضل عن حدِّ الشفة ودخل في حدِّ الفم أمر بِجزِّه؛ لأَنَّه جاوز موضعه الذي نبت فيه، وتعدَّى إلى موضع الطعام والشراب فيتلوَّث بِما يَمرُّ عَلَى الفم من ذَلِكَ.
وثالثها: ما يروى عن بشير وأبي الْمُؤثِر أَنَّهُما قالا: السنَّة في جزِّه كُلّ أسبوع.
وهذا لعمري إن صحَّ أَنَّهُ سنَّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا وجه للقول بِخِلاَفه.
لكن القائلين بغير ذَلِكَ لَمْ تَصحّ عندهم السنَّة التي ذكرها بشير وأبو الْمُؤثِر -رحمهما الله-، إذ لو صحَّت معهم لقبلوها؛ لأَنَّ من مذهبهم وُجُوب العمل بِخبر الواحد إذا صحَّ، ولَعلَّها صحَّت عندهُما فرفعاها كما ترى، وَاللهُ أَعلَم.
ورابعها: أَنَّهُ لا حدَّ في ذَلِكَ إِلاَّ إذا قبح طوله حَتَّى خرج من زيِّ الْمُسلِمين إلى زيِّ الْمُشرِكين.
وكأنَّ هذا القائل اعتبر أنَّ الْحِكْمة في جزِّ الشارب هي مُخالفة الْمُشرِكين في زيِّهم، كما يفهم من ظاهر الْحَدِيث وهو: «مَن لَمْ يَأخُذ مِن شَارِبه فليسَ مِنَّا».
وقال أبو عبيدة: لا أعلم فيه حدًّا مَحدودا إِلاَّ إذا طال، فأزح ذَلِكَ عن نفسك.
قال أبو الْحَوَارِي: ليس في ذَلِكَ حدّ إِلاَّ عَلَى ما أمكن من ذَلِكَ.