الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٩١ولا أدري ما أراد بِقَوْلِهِ: "إذا غسلت الْحَائِض فرجها ورأسها فقد خرجت من حدِّ حيض"، ولعلَّه أراد بذلك أنها تفوت مطلقها لخروجها من عدَّته بذلك.
وكذلك سائر الأَحْكَام الْمُتَعَلِّقة بالْحَيْض دون العبادات المشروط في صحَّتها الطَّهَارَة، فإن الأَحْكَام الْمُتَرَتِّبة عَلَى الْحَيْض تزول بزواله، والأَحْكَام الْمُتَعَلِّقة بالطَّهَارَة توجد مع وجودها، وَاللهُ أَعلَم.
وفي هذا كُلّه نظر؛ لأَنَّ الأَحْكَام الْمُتَرَتِّبة عَلَى وجود الْحَيْض: إِمَّا أن تنقطع بانقطاعه فلا معنى لتوقيفها عَلَى غسل الرأس والفرج دون سائر الجسد. وَإِمَّا أن تكون مٌتَعَلِّقَة عَلَى وجود الطهر والتطهُّر من الْحَيْض فغسل الرأس والفرج ليس بتطهُّر، وَإِنَّمَا التَّطَهُّر الغسل الذي تباح معه الْعِبَادَة، ومن الْمَعلُوم أن الصَّلاَة لا تباح لها إِلاَّ بعد غسل جَمِيع الْجَسَد فَأَمَّا حديث: «فأمَّا أنَا فأفيضُ عَلَى رَأسِي ثَلاثًا» فلا يَدُلُّ عَلَى أن غسل الرأس تترتَّب عَلَيهِ الأَحْكَام؛ لأَنَّه بيان لصفة الغسل من الْجَنَابَة، وَأَنَّهُ يفيض عَلَى رأسه عند الاغتسال من الْجَنَابَة، ولا يَدُلُّ ذلك عَلَى أن الرأس يقوم مقام الْجَسَد في ذلك، وَاللهُ أَعلَم.
وَلَمَّا فرغ من بيان الْحَيْض شرع في بيان الاستحاضة فقال /56/:
ذكر الْمُستَحَاضَة:
وهي [اسم] مَفعول، مِن استحاضت الْمَرْأَة إذا اتَّصفت بالاستحاضة، وهي: دم يَخرج من عروق تنقطع في فم الرحم، قال عَلَيهِ الصَّلاَة والسَّلاَم في صفة دم الاستحاضة: «إنَّه دمُ عِرْقٍ انْفجَرَ».
قال القطب: "السين والتاء في الاستحاضة للتصوُّر بصورة الشَيْء، والاتِّصَاف بصفته، كاستأسد زيد أي تصور بصورة الأسد واتَّصَف بها مَجازا، فإن الاستحاضة كصورة الْحَيْض ومتصفة بصفته، فَإِنَّهَا دم يخرج من مَخرج دم الْحَيْض وهو قُبُل الْمَرْأَة من عِرْق يُسَمَّى العاذل.