[سورة التوبة — آية 64]
قوله : ﴿ يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق وما كانوا يحذرون . ففعل الله ذلك بهم ، فأخرج أضغانهم ، وهو ما كانو يكنون في صدورهم . وإنما حذروا من شيء تَيَقّنوا به ، ولو كانوا مشركين لم يحذروه لأنهم يجحدونه ولا يقرون به .
وقال مجاهد : يقولون القول بينهم ثم يقولون : نخشى الله أن يُفشِي علينا سرَّنا هذا .
ذكر بعضهم قال : كانت هذه السورة تسمى جاهرة أي : جهرته . وبعضهم يقول : حافرة ، أي حفرت عن ذنوب القوم ، يعني المنافقين . وقال بعضهم : كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين؛ لأنها أنبأت بمقالتهم وأعمالهم . وقال الحسن : كانت تسمى حافرة ، أنبأت بما في قلوب المنافقين .
﴿ قُلِ اسْتَهْزِءُوا ﴾ أي بمحمد وأصحابه ، وهو وعيد هَوْلُه شديد . كقوله : ﴿ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [ الكهف : 29 ] وهو وعيد . ﴿ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ أي : ما أكننتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه ، فذاكره عنكم .
وأما قوله : ﴿ اسْتَهْزِءُوا ﴾ فهو جواب من الله لقولهم . ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ يعني كفار المشركين ﴿ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ أي في المودة ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ [ البقرة : 14 ] . أي إنما نحن مخادعون . والاستهزاء في هذا الموضع إنما هو الخداع . ألا تراه يرد عليهم جوابهم : ﴿ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ ﴾ [ البقرة : 15 ] أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا .
وقد أوضح ما تأولنا عليه الآية في النساء فقال : ﴿ إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [ النساء : 142 ] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإِقرار ، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال . وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين . وبيان خدعه إياهم في سورة الحديد . وسنذكر ذلك أيضاً في سورة الحديد إذا أتينا عليه ، كيف خدعهم الله عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين ، إذ سبقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم ، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم . فَطفِىءَ نور المنافقين ، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء الله .