[سورة النحل — آية 73]
﴿ وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ لا من جنس آخر كالفرس والناقة لتأنسوا ، وتماثلكم أولادكم ، والنفس بمعنى الجنس مجازًا ، وأصله الذات فلا يجوز للرجل تزوج الجنية ، ولا للمرأة تزوج الجنى ، لعدم الجنسية ، ولعدم الوثوق لأنهم لا يشاهدون وهم يتخيّلون ، فكيف يثق بها أو تثق به؟ وكيف يثق بأن هذا وليها؟ ويقال وقع النزوج منهم فى أصحابنا وقومنا ، ولعل من فعل ذلك أمكن له التوثق ، وقيل المراد خلق حواء من آدم عليهما السلام ، لأنها خلقت من ضلعه ، وسائر النساء من نطفة الرجال ، ولا يعترض لجمع الأنفس ، والأزواج ، ولا يحتاج إِلى الجواب بالتغليب ، أو بأن المراد بعض الأنفس وبعض الأزواج فضلا عن أن يقال ذلك تكلف .
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ ﴾ يشمل البنات ، أو بقدر بنين وبنات .
﴿ وَحَقَدَةً ﴾ أولاد البنين وأولاد البنات ، ذكوراً أو إِناثاً أو البنات وأولاد البنين عند عبن عباس والحسن وابن العربى والأزهرى « إنهم من الأزواج بالواسطة من حقد فى الشئ أسرع فيه ، والبنات أسرع فى خدمة البيت والطاعة ، ولذلك فسر بعضهم الحفدة بالبنات ، وللفرد حامد ككامل وكملة ، ولد حامد وأولاد حفدة .
وفى التفسير زيادة امتنان ، وكذلك الأولاد أسرع فى ذلك كما فسر بهم عموما ، أو الحفدة البنون ، ذكروا بالبنوة وباسم السرعة فى الخدمة والطاعة ، وعن ابن عباس : البنون صغار الأولاد ، والحفدة كبارهم ، نظراً إلى أن الكبار أقوى فى الخدمة ، وعن مقاتل العكس ، لأن الصغار أقرب للانقياد ، وقيل المراد الأختان على البنات ، فإنهم قوامون عليهنَّ ويخدمون بالجد والصدق وقيل الربائب ومن بنات امرأة الرجل من غيره ، وقيل ======= ليزاد اعوان الرجل من قبل المرأة ولو أخاها أو ابن أخيها ونحو ذلك ما قربها ولا مانع من حمل الآية على ما ذكر كله .
﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ اللذائذ ، والخطاب للمؤمنين والكفرة أن الطيبات الحلال ، والصحيح أن الكفرة مخاطبون بوقوع الشريعة ، فصح خطابهم بالحلال ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، فذلك وجه إِنكار من أنكره كما أن تفسير الطيبات بالغنائم أو بما جاء من غير نصب خلاف الظاهر ومن للتبعض فإنه لم يرزقكم كل ما فى الدنيا ، وكل ما فيها بعض مما فى الجنة اسما وصورة ، والحقيقة مختلفة أو من الطيبات مما فى قدرة الله تعالى .
﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ ﴾ هو أن عبادة الأصنام حق ، وأنها تنفعهم فى الدنيا . وأيضا فى الآخرة إن كانت حقا ، وتحريم السائبة والبحيرة والوصيلة والحامى ، وهن من الطيبات ، والاستفهام توبيخ ، وقدم الجار على متعلقه وهو قوله : ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ على طريقة العرب فى الاهتمام أو لإيهام التخصيص مبالغة ، وللفاصلة ، وكذا فى قوله : ﴿ فبنعمة الله يجحدون ﴾ والعطب على محذوف أى أيكفرون بالحق فيؤمنون بالباطل ، وهو عبادة الأصنام ، وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى .
﴿ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يستمرون على الكفر ، كأنه قيل لا يجحدون إلا ينعمه ، ولا يؤمنون إِلا بالباطل ، ولا يكفرون إلا بنعمة الله
والاستفهام التوبيخي منسحب على قوله : ﴿ وبنعمة الله ﴾ كأنه قيل أو بنعمة الله هم هم يكفرون ، وكذا انسحب على قوله :
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ يستمرون ومعنى كفرهم بنعمة الله إِضافتهم إياها للأصنام ، وتحريم المحلل كالبحيرة ، وذلك أن إِثبات الألوهية لغير الله إثبات لبعض النعم لغيره ، لأن الإله منعم ، وقيل الباطل الشيطان ، والنعمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الباطل ما حرم الشيطان من نحو البحيرة ، ونعمة الله ما أحل الله عز وجل ، وشيئا مفعول لرزنًا من أعمال المصدر المنون أى ما لا يملك لهم أن يرزق شيئا ، وإن جعل بمعنى ما يرزق به الإنسان ، فشيئًا يدل رزقا مؤكد له ، جعل تنوينهما للتحقير أولا ، إِذ شئ أم ومن متعلق برزقا لا يرزقهم من جهة السماء ، لا من جهة الأرض ، أو محذوف نعت لرزقًا ، ومفعول يستطيع محذوف ، أى لا يستطيعون ملك رزق ، وهو منزل كاللازم بمعنى لا استطاعة لهم ، والواو لما فى قوله : ما لا يملك ، مراعاة لمعناها ومراعاة لفظها ، وهو جائز وهو جماعة الأصنام التى يعدونهاعقلاء عندهم ، أو نحو عقلا ، أو للكفار لا يستطيعون وهم عقلاء تحقيقا ، فكيف الأصنام الجمادات .
وذكر هنا هم دون سورة العنكبوت ، لتقدم قوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ﴾ المفيد لأتم التأكيد ، فيستغنى عن التأكيد بقوله هم ، أو جئ به هنا لسرد النعم على أتم وجه ، فكان التأكيد فى بيان كفرهم أنسب ، ولا سرد لها فى سورة العنكبوت كذلك .
أو لأن آيات سورة العنكبوت استمرت على الغيبة ، وهنا تقدمت خطابات فجئ بقوله هم تأكيداً فى إظهار الغيبة المنتقل إليها لئلا يسبق توهم أحد إلى أن يقرأ تؤمنون وتكفرون بالخطاب ، وهذا ليس فيه ما يعترض عليه ، بأنه لا مقتضى للزوم الغيبة ، وأنه لا لبس فى ترك قوله هم ، وإنما زاد هنا هم دون قوله : أفبالباطل يؤمنون ، لئلا يتوهم أنه تكرير لقوله : أفبنعمة الله يجحدون ، ففصل بالمبالغة والتأكيد ترقيًا فى الدم ، وللجرى على عادة العرب فى أنهم إذا أنكروا على أحد شيئًا جدًا أتوا بكلام آخر أذم من الأول ، لئلا تكون الفاصلة الأولى زادت على الثانية وقال هنا : يكفرون ، وهنالك : يجحدون لتقدم ضرب المثل هنالك ، وهو أقبح ، فناسب الجحد .