[سورة النحل — آية 96]
قوله : ﴿ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ أي : من الدنيا .
ذكروا أنه قدم وفد من كندة وحضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإِسلام ولم يهاجروا ، وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . ثم إن رجلاً من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرأ القيس ، فقال يا رسول الله ، إن هذا جاورني في أرض لي فقطع طائفة منها فأدخلها في أرضه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « هل لك بينة على ما تزعم؟ » فقال : القوم كلهم يعلمون أني صادق وأنه كاذب ، ولكنه أكرم عندهم مني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا امرأ القيس ، ما يقول هذا؟ » قال : ما يقول إلا الباطل . قال : « فقم فاحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له قِبَلك من شيء مما يقول ، وإنه لكاذب فيما يقول » قال : نعم . قال الحضرمي ، إنا لله ، أتجعلها يا رسول الله إليه ، إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط » فقام امرؤ القيس ليحلف ، فنزلت هاتان الآيتان : ﴿ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ أي : عرضاً من الدنيا يسيراً ﴿ إِنَّمَا عِندَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . قال : ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
فقام الأشعث بن قيس فأخذ بمنكبي امرىء القيس فقال : ويلك يا امرأ القيس إنه قد نزلت آيتان فيك وفي صاحبك ، خيرتهما له ، والأخرى لك ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط » فأقبل امرؤ القيس فقال : يا رسول الله ، ما أنزل في؟ فتلا عليه الآيتين .
فقال امرؤ القيس : أما ما عندي فينفد ، وأما صاحبي فيجازى بأحسن ما كان يعمل؛ اللهم إنه صادق ، وإني أشهد الله إنه صادق ، ولكن والله ما أدري ما بلغ ما يدّعي من أرضه في أرضي ، فقد أصبتها منذ زمان ، فله ما ادّعى في أرضي ومثلها معها . فنزلت هذه الآية .
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فقال امرؤ القيس : إليَّ هذه الآية يا رسول الله؟ قال : نعم ، فكبّر امرؤ القيس . وحمد الله وشكره .
ذكر بعضهم في قوله : ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ قال : هي القناعة ، وقال بعضهم : هي الجنة .