[سورة الزمر — آية 54]
﴿ قُلٌ ﴾ عنى ليقى الطمع ، ويزول الإياس ﴿ يا عبادى الَّذينَ أسرَفُوا على أنْفسِهِم ﴾ أفرطوا فى المعاصى كائنة ما كانت ، فلا معصية تخرج عن الآية فتقبل توبة الزانى وآكل الربا ، وقاتل النفس المؤمنة ، ولو كانت سعيدة عند الله وغيرهم اذا تابوا ، والمرائى اذا تاب فيرجع عمله كأنه لم يراء ، ومن الاسراف الاصرار على صغيرة واحدة ، والاسراف الأفراط فى شىء مال أو غير مال حقيقة ولو كثر فى المال ، ولما كان مضرة عدى بعلى ، أو ضمن معنى الجناية ، والعباد على العموم ، والاضافة الاجنس ، وقيل المؤمنون ، فالاضافة للتشريف ، وعموم المؤمنين ، أو للعهد فى قوله المتقدم يا عبادى ﴿ لا تقْنطُوا ﴾ لا تيأسوا ﴿ مِن رحْمَة الله ﴾ من مغفرته فانها رحمة أو مغفرة ، وادخال الجنة أو رحمته الجنة لأن المذنب يقنط من الجنة بدخول النار ، وداخل الجنة مغفور له ، لا يدخلها بلا غفران .
ويروى أن أخوين أحدهما مجتهد فى الطاعة ، والآخر مسرف فى المعاصى واجتهد المطيع لله تعالى فى نهيه حتى قال له : والله انك من أهل النار ، وماتا ، وقال الله تعالى للمطيع : ادخل النار ، لأنك أقنطت عبدى من رحمتى الواسعة ، وقال للمسرف ادخل الجنة ، ومعى ذلك أن العابد لم يقل للعاصى تدخل النار ان شاء الله عز وجل ، وأو أن لم تتب ، صغائر وكبائر ﴿ جَميعاً إنَّه هُو الغَفُور الرَّحيمُ ﴾ المغفرة الستر ، فاذا غفر الذنب فقد ستر اذ لم ير عقابه ، فكأنه لم يكن ، وكأنه غير ذنب ، أو المغفرة محوه من صحيفة المذنب ، والتوبة شرط ، كما شرطت فى مواضع من القرآن ، والمطلق يحمل على المقيد ، ولو لم يحمل على المقيد رجعت هذه الآية الى كل ما شرط فيه التوبة ، فيبطل الشتراط التوبة ، فيتناقض الكلام ، والقرآن ككلام واحد .
روى أبو داود والترمذى ، عن اسماء بنت يزيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى انه هو الغفور الرحيم ، قال قوم : يا محد ان ما تقول حق ، لكن أشركنا وزنينا وقتلنا ، فول أخبرنا بكفارة لذلك ، فنزل : ﴿ والذين لا يدعون ﴾ الى قوله تعالى : ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ونزل : « قل يا عبادى الذين أسرفوا » ويروى سمعوا الآية الى قوله : ﴿ مهانا ﴾ فأيسوا ، فنزل : ﴿ إلا من تاب ﴾ الخ يبدل الله اشراكهم توحيدا ، وزناهم احصانا .
ويروى أنهم قالوا : هذا شرط وهو العمل الصالح ، فنزل : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الخ ونزل : « قل يا عبادى » كأنهم توهموا أنه لا يغفر لمن أسلم وتاب وعمل صالحا ، وعصى بعد فأخبرهم أن التوبة تقبل أيضا بعد هذا العصيان لقوله :
﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ وقوله : « قل يا عبادى » الخ ورجع بهذه الآية قوم ارتدوا فأسلموا ، وكان الصحابة يقولون : إن حسناتهم مقبولة لا يبطلها شىء ، فنزل : ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فكانوا يخافون ولا يرجون لمن فعل كبيرة ، فنزل : « لا تقنطوا من رحمة الله » فخافوا ورجوا ، ومعنى لا يبالى أنه يكتفى بالتوبة ولو كثرة الذنوب ، وعظمت ولم يرد به أنه يغفرها ولو بلا توبة ، بدليل دلائل اشتراط التوبة ، ويوجد اشتراهطها قوله تعالى :
﴿ وأنيبوا إلى ربِّكُم وأَسْلمُوا لَه مِنْ قبْل أنْ يتأتِيكُم العذابَ ثمَّ لا تُنْصرُونَ ﴾ عطفا على ﴿ لا تقنطوا ﴾ ومعنى ﴿ أنيبوا إلى ربكم ﴾ ارجعوا الى ربكم بالاعراض عن المعاصى ، والتوبة عما صدر منها ، وقيل : بالانقطاع اليه بالعبادة ، فهو أخص من التوبة على هذا القول ، وقيل : التوبة من خوف العقاب ، والانابة استحياء لكرمه تعالى ، والاسلام له اخلاص العبادة له تعالى ، قال عطاء : نزلت الآية فى وحشى ، رواه ابن جرير ، وروى أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما ، أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من قتل النفس وعبد غير الله لا يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم ، وقد فعلنا ذلك؟ فنزلت ، وأيضا ارتد عياش بن ربيعة ، والوليد ، ونر لما عذبهم المشركون ، فكان المسلمون يقولون لا تقبل توبتهم ، فنزلت ، فكتبها عمر رضى الله عنه اليهم ، فأسلموا وهاجروا .