وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٣٥وكان يزيد بن المهلب أوصى مخلداً ابنه، لما سار من خراسان إلى جرجان فاستخلفه على خراسان، أن قال له: يا بني، انظر هذا الحي من اليمن فكن فيهم كما قال أبو دؤاد الإيادي: الطويل
إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهم … فرش واصطنع عند الّذين بهم ترمي
وكن لهذا الحي من بكر بن وائل كما قال امرؤ القيس: السريع
يا راكباً قولا لإخواننا … من كان من كندة أو وائل
إنّا وإيّاكم وما بيننا … كموضع الزّور من الكاهل
قال: ونمى إلي عن مسلمة بن علقمة قال: كتب مروان بن محمد إلى ولد المسور يعزيهم عن أبيهم: قد بلغ أمير المؤمنين الذي كان من نازل قضاء الله في المسور بن عمرو، وما اختار الله له من المصير إليه، فعند الله يحتسب أمير المؤمنين مصابه ونعم المتوفي توفاه الله من بينكم. وفي جود الله الخلف الكافي. وقد أعاضكم الله من رزيئتكم رأياً من أمير المؤمنين جميلاً، فيه حسن الخلف عليكم. فلتحسن ظنونكم بربكم وخليفتكم فإن الله لم يقبض ولياً له إلا أحسن خلافته في ولده وأهل لحمته.
وتحدث يعقوب بن داود قال: عزي السائب بن الأقرع عن ابن له، فقال السائب: هكذا الدنيا تصبح لك سارةً، وتمسي عليك متنكرة. ثم تمثل: الطويل
ألا قد أرى أن لا خلود وأنّه … سينعق في داري غرابٌ ويحجل
ويقسم ميراثي رجالٌ أعزّةٌ … وتذهل عنّي الوالدات وتشغل
وتحدث النضر بن إسحاق قال: ماتت امراة بكر بن عبد الله المزني فاشتد حزنه عليها، فنهاه الحسن فقال: يا أبا سعيد، إنها كانت مواتية، وكانت .. وكانت .. فقال له الحسن: لا تيأس، فعند الله خير منها. فتتزوج أختها بعدها، فمر به الحسن بعد ذلك فقال: يا أبا سعيد، هذه خير من أختها.
قال أبو الحسن المدائني عن الحسن الجفري قال: لما مات سعيد، أخو الحسن، حزن عليه الحسن وقال: إنه لأعز أهلي علي، ولأن يكون لي أحب إلي من أن أكون له. فعاتبه بعض إخوانه فقال الحسن: يا عبد الله، قد حزن يعقوب على ابنه يوسف فلم يعنفه الله عز وجل بذلك.
وقال عن كليب بن خلف: قال عبد الكريم المازني لعبد الله بن عبد الله بن الأهتم: كيف كان جزعك على أهل بيتك ؟ فقال: ما ترك حب الغداء والعشاء في قلبي حزناً على أحد.
وقال يزيد بن عياض بن جعدبة: كان عبد الله بن الزبير إذا أصابته مصيبة قال: قد قتل أبي وإمامي عثمان بن عفان فصبرت.
وقال أبو عبد الرحمن العجلاني: أخبرنا إسماعيل بن يسار قال: مات ابن لأرطاة بن سهية المري، من غطفان، فأقام على قبره حولاً يأتيه كل غداة فيقول: يا عمرو، إن أقمت حتى أمسي هل أنت رائح معي ؟ ويأتيه عند المساء فيقول مثل ذلك، ثم ينصرف. فلما كان في رأس الحول تمثل: الطويل
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما … ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
ثم انصرف عنه وهو يقول: الطويل
وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن … وقوفي عليه غير مبكىً ومجزع
هل أنت أبن ليلى إن نظرتك رائحٌ … مع القوم أو غادٍ غداة غدٍ معي ؟
فلو كان لبّي شاهداً ما أصابني … شهيقٌ على قبرٍ بأحجار أجرع
فما كنت إلاّ والهاً بعد زفرةٍ … على شجوها بعد الحنين المرجّع
متى لا تجده تنصرف لطياتها … من الأرض أو ترجع لإلفٍ فترتع
على الدّهر فاعتب إنّه غير معتبٍ … وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
وقال أبو محمد الكعبي: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استشهد أخوه زيد بن الخطاب باليمامة وحضره رجل من بني عدي بن كعب، فرجع إلى المدينة، فلما رآه عمر دمعت عينه ثم قال:
أخلّفت زيداً ثاوياً وأتيتني
وقال المثنى بن عبد الله بن عوف: كان عمر بن الخطاب رحمه الله إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيداً فصبرت. وكان يقول: ما هبت الصبا إلا وجدت نسيم زيد.
وقال أبو الحسن: أخبرني من أثق به عن حكيم من الحكماء قال: مات أخ له فجزع عليه، فقال له قائل من أصحابه: اصنع بنفسك ما يصنعه بك الدهر.
وأخبر عن أبي إبراهيم قال: قال عباد بن مخاشن: استشهد لي ابنان فجزعت عليهما. فقال له رجل: ثم ماذا ؟ قال: كان جرحاً فبراً.