التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وتحدث قال: لما مات معاوية دخل على يزيد أشراف أهل الشام، فلم يجتمع لأحد منهم تعزية مع تهنئة إلا عطاء بن أبي صيفي فإنه قال: يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة، ومنحت السياسة؛ فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على جميل العطية وقال الأصمعي: لما ماتت البانوقة، ابنة المهدي، اشتد جزعه عليها فحجب الناس، فتلطف شبيب بن شيبة فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، والله لله خير لها منك، ولثواب الله خير لك منها. وإن أحق ما صبر عليه ما لم يقدر على دفعه. فكان هذا أول ما تسلى به، وأذن للناس.

وقال جويرية بن أسماء: اشتكى ابن لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فجزع عليه. فلما مات لم يظهر منه مثل ما كان يظهر في مرضه. فقيل له في ذلك فقال: كان ذلك مني رحمةً له ورقة، فلما وقع القضاء رضيت وسلمت.

وقال أبو الحسن: أصبح رجل من بني نهشل وقد موتت له عدة أباعر وشاء، فقال: لئن كانت المنية باتت تطيف بي ثم أصبحت، وقد زالت عني إلى شاتي وبعيري، ثم جزعت إني لجزوع ثم قال: مجزوء الكامل

المرء يسعى سادراً … حتّى يقال له تعاله

وتحدث أبو الحسن المدائني، أو غيره، عن أبان بن تغلب النحوي قال: شهدت امرأةً من الأعراب وبين يديها ابن لها رجل وهو يجود بنفسه وعندها جماعة من قومها. فلما قضى وثبت إليه فغمضته وعصبته وترحمت عليه ثم تنحت إلى مجلسها فقالت: يا أبان، ما أحق من ألبس النعمة وأطيلت به النظرة ألا يعجز عن التوثق لنفسه من قبل حل عقدته والحلول بعقوته والحيالة بينه وبين نفسه. قال: فقال رجل من الأعراب ممن حضرها: إنا لم نزل نسمع أنما الجزع للنساء، فوأبيك لقد كرم صبرك، وما أشبهت للنساء ؟! فقالت: ما ميز إنسان بين صبر وجزع إلا وجد بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما. أما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة. وأما الجزع فغير معوض عوضاً مع مأثمه ولو كانا رجلين في صورة كان الصبر أولاهما بالغلبة على الحسن في الخلقة والكرم في الطبيعة.

وقال أبان: حدثنا ابن السماك قال: جلسنا ننتظر جنازةً لتخرج إذ مر بنا أعرابي فوقف علينا فسلم ثم قال: إن أعظم المصيبة مصابكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، عظم الله أجركم، ورحم ميتكم قال ابن السماك: فما يخيل إلي أني سمعت كلمات أوجز منهن: إنه صدر كلامه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزانا، وترحم على ميتنا في كلمة واحدة.

وقال أبان: سمعت بعض الأعراب يتلهف على حميم له ثم تنفس الصعداء وقال: أيهات ! عتب الناس على الدهر فلم يعتب مستعتباً، ولم يرث لمتلهف عليه، ثم قال: كل امريء منا يجري في السوابق من حتم الله عليه.

وتحدث الحرمازي رحمة الله عليه قال: كان مروان بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، من أحب ولد عبد الملك إليه، فتوفي في حياة عبد الملك، وكان أهل العلم بعبد الملك بن مروان يرون أنه لو بقي لثلث به في العهد. فكتب إلى عبد الملك بعض عمومته من بني الحكم وهو غائب يعزيه عنه ويسأله كيف كان صبره. فكتب إليه بعد الملك: البسيط

كتبت تسأل عن صبري لتعلمه … على الرّزيّة بالمأمول مروان

فقد صبرت بعون الله محتسباً … لموعد الله من فوزٍ ورضوان

ولو حزنت ولم أصبر لفرقته … ما كان في فقده منهاة أحزاني

وقال الحرمازي: كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام فعجل عليه سليمان فقال له: يا بن ملخن أمه، ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته وقال له: يا أبا عبد الملك، أخوك إمامك وله السن عليك. فقال: يا أبا حفص قتلتني. قال: وما صنعت بك ؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر. ومال لجنبه فمات. وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه، يزيد بن عبد الملك: الطويل

أبا خالدٍ فارقت مروان عن رضىً … وكان يزين الأرض أن تنزلا معا

فسيروا فلا مروان للحيّ إن شكوا … ولا الرّكب إن أمسوا مخفّين جوّعا

قال: وبلغني أن عبد الملك أمرغاسله إذا فرغ من جهازه أن يؤذنه، ففعل، فكشف عن وجهه ثم قال: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحبه.

٣٦ / ٧٩