التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٣٧

قال أبو الحسن: لما حضرت أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة وكان ولي عهد أبيه دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد ابن عقبة ورجاء بن حيوة قال: فجعل ينظر في وجهه وهو يفوق بنفسه فخنقته العبرة فردها ثم نظر إلينا فقال: إنه، والله، ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس عند ذلك أخياف، فمنهم من يغلب صبره جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه صبره، فذلك المغلوب الضعيف العقدة، وليست منكم حشمة، وإني أجد في قلبي لوعةً إن لم أبردها بعبرة خشيت أن تنصدع كبدي كمداً وأسفاً. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا تحبطن أجرك. قال سعيد بن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أراد من البكاء. فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين، افعل، فإني لا أرى بأساً ما لم تأت الأمر المفرط. فقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هلك إبراهيم اشتد وجده عليه فدمعت عيناه فقال: تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمحزونون يا إبراهيم. قال: وأرسل عينيه فبكى حتى ظننا أن نياط قلبه قد انصدع، فقال عمر: يا رجاء، هذا ما صنعت بأمير المؤمنين ! فقال: دعه، يا أبا حفص، يقض من بكائه وطراً، فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى لخفت أن يأتي عليه، ثم رقأت عبرته فدعا بماء فغسل وجهه فأقبل علينا وقد قضى الفتى، فأمر بجهازه وخرج يمشي أمام جنازته، فلما دفن وحثي عليه التراب وقف قليلاً ينظر إلى قبره ثم قال: الطويل

وقفت على قبرٍ مقيمٍ بقفرةٍ … متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق

ثم قال: السلام عليك يا أيوب السريع

كنت لنا أنساً فأوحشتنا … فالعيش من بعدك مرّ المذاق

ثم قال: أدن، يا غلام، دابتي، فركب ثم عطف برأس دابته إلى القبر ثم قال: البسيط

فإن صبرت فلم ألفظك من شبعٍ … وإن جزعت فعلقٌ منفسٌ ذهبا

فقال عمر: يا أمير المؤمنين، بل الصبر، فإنه أقرب إلى الله وسيلة وليس الجزع يحيي من مات، وبالله العصمة والتوفيق.

وقال الحسن بن عمارة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة قالت: لما مات عبد الله بن أبي بكر وجد عليه أبو بكر وجداً شديداً ثم دخل علي فقال: يا عائشة، والله لكأنما أخذ بأذن شاة من دارنا فأخرجت، فقلت: الحمد لله الذي عزم لك على رشدك، وربط على قلبك. قالت: ثم جاء بعد ذلك فقال: أي بنية، أتخافين أن تكونوا دفنتم عبد الله وهو حي ؟. فقلت: استعذ بالله يا أبه. فقال: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أي بنية، إنه ليس أحد إلا وله من الشيطان لمة. فرثته عاتكة امرأته، وهي ابنة زيد بن عمرو بن نفيل فقالت: الطويل

فآليت لا تنفكّ عيني سخينةً … عليك وجلدي آخر الدّهر أغبرا

وهذا يتصل بخبر ليس من هذا الباب.

ولما مات عبد الرحمن بن أبي بكر لم تحضره عائشة، فأتت قبره فقالت: يا أخي، لو كنت شهدت وفاتك لم أزر قبرك ثم تمثلت: الطويل

وكنّا كندماني جذيمة حقبةً … من الدّهر حتّى قيل لن نتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأني ومالكاً … لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا

وحدثنا ابن عائشة، وحدثنيه غيره وحديثه أتم أن عائشة حضرت أبا بكر رحمة الله عليه وهو يقضي فقالت: هذا والله قوله: الطويل

أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى … إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر

فقال: أي بنية، لا تقولي كذا وقولي: وجاءت سكرة الموت بالحق وهكذا كان يقرؤها أبو بكر رحمه الله.

قال الهلالي: كان أبو بكر الصديق، رحمة الله عليه، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله. وكان عثمان، رحمه الله، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله وقال الهلالي: قيل لمعاوية: مات زياد، فقال: وارجلاه، ثم قال: الطويل

أفردت سهماً في الكنانة واحداً … سيرمى به أو يكسر السّهم كاسر

٣٧ / ٧٩