تمهيد
الجزء ١ · صفحة ١٧٩بقضيَّته الأساسيَّة لهذه الفترة، ومقاومة الاستعمار بوسائل مختلفة، ولكي ندرك الفرق بين الأديب والسِّياسي ينبغي أن نفكِّر في وسائل كلٍّ منهما: فإن كان السِّياسي يميل إلى التَّحريض والإثارة، وبعث الغيرة في النُّفوس عن طريق الخطب والمقالات السَّاخنة، فإنَّ الأديب يسعى إلى نفس الغاية، ولكن في هدوء وأناة وعمق (1).
إنَّ مهمَّة الأديب تستمرُّ بعد طرح القضيَّة، وتحديد المبادئ، وتحاول نقش هذه القضيَّة وهذه المبادئ في نفوس أفراد الشَّعب؛ لأنَّ الحالة الاجتماعيّة السَّيِّئة التي يعيشها الشَّعب لم تكن وليدة نظام الفنِّ، في حين أنَّ السِّياسي يقوم بمهمَّته في شيء من العجلة والانفعال، ودون فنٍّ، إلَّا في القليل النَّادر (2).
خلال هذه الفترة، وبظهور حركة الإصلاح فإنَّ رؤية الأدباء - وبخاصَّة الشُّعراء منهم - للدِّين قد تغيَّرت، فأصبح الدِّين عملاً ونضالاً، لا دين خمول وجمود، وانسحب هذا المفهوم للدِّين على الشِّعر، فبات تعبيرًا عن التَّجديد في الفكر، كما يخبرنا بذلك عبد الله الركيبي: إنَّ وظيفة الشِّعر تغيَّرت أي تطوَّرت، فبعد أن كانت رغبة في إظهار التَّعلُّق بالدِّين والتَّنويه بصاحب الرِّسالة، أصبحت تعبيرًا عمَّا في الدِّين من دعوة إلى العمل بمعنى آخر، فإنَّ دور الدِّين في الفكر الإصلاحي ليس الجانب الرُّوحي وحده، وإنَّما يضاف إليه البعد الاجتماعي، ومن ثّم تحدَّدت وظيفة الشَّاعر بأنَّه شاعر الدِّين والمجتمع معًا (3).
الملاحظة المشتركة في أنَّ وظيفة الأدب الإسلامي بعامَّة ليست مختلفة عن وظيفة الأدب الجزائري بخاصَّة، في خدمة قيم الحقِّ والخير والجمال وفي الوقت نفسه، فللأدب رسالة حضاريَّة شاملة قبل كلِّ شيء بما في ذلك الاحتفال بآلام الطبقات البشريَّة وقيودها (4). يؤكِّد عبد الله الرَّكيبي هذه الفكرة في قوله: وظيفة الشِّعر هي خدمة الدِّين
(1) عبدالله الركيبي: "تطوُّر النَّثر الجزائري الحديث"، الدَّار العربيَّة للكتاب، ليبيا، تونس، 1975 م، ص 113.
(2) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 100، 101.
(3) عبد الله الركيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 1981 م، ص: 637، 639.
(4) سيِّد قطب: "النَّقد الأدبي وأصوله ومناهجه"، ص 106، عن أحمد رحماني: نظريَّات نقديَّة وتطبيقها، ص 26.