الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

تمهيد

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

الاتِّجاه الجمالي والواقعي في صراع دائب، ولكنَّهما غالبا ما يتكاملان لدى النُّقاد الكبار، إذا نظرنا إلى ملابسات عصرهم (1)، ولعلَّ أكثر المدارس الأدبيَّة اهتمامًا بغاية الأدب ووظيفته في العصر الحديث (هي المدرسة الواقعيَّة والمدرسة الإسلاميَّة) (2)، حيث أنَّ المدرسة الواقعيَّة تلزم الكاتب بالاشتراك في مشكلات المجتمع الحاضر، وتهتمُّ بالمضمون وأثره الاجتماعي والحضاري في الأدب، وتجعل المتعة الفنِّيَّة في الأدب وسيلة لغاية إنسانيَّة (3).

أمَّا المدرسة الإسلاميَّة فتذهب إلى أنَّ الأدب يهدف أوَّل ما يهدف إلى تكوين الفرد المسلم، ثمَّ المجتمع المسلم، يسمو عن الأمراض الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة، ويثير في النُّفوس الرَّغبة في العمل الجادِّ، والبناء الصَّامد … بل ويجعل من التَّفكير والتَّأمُّل أيضًا فرعا من العبادة لا عبادة كالتَّفكر، ويمارس في الواقع فعل الخيرات والتَّمسُّك بالإيثار والحبِّ والعدل، ومحاربة الرَّذائل والمفاسد والمظالم، وصور الاستغلال والتَّحلُّل والإباحيَّة، ويربط حياة الفرد بالمجتمع (4)، ويعرف محمد حسني بريغش وظيفة الأديب المسلم على: أنَّه الإنسان المستخلف في الأرض، الحامل للأمانة العظيمة، التي نأت السَّماوات والأرض والجبال عن حملها، وحملها الإنسان (5).

هذه هي وظيفة الأدب الإسلامي من وجهة نظر أدبائه، ونقَّاده، أمَّا إذا عرجنا إلى الأدب الجزائري الحديث، فنلاحظ أنَّ روَّاده أدركوا وظيفته منذ البداية، إن لم نقل وجدت الوظيفة - قبل العمل الأدبي - إن صحَّ القول - خاصَّة في مرحلة ما قبل الثَّورة، كما يذكر لنا ذلك محمد مصايف: إنَّ الأديب والسِّياسي يتَّفقان في كون كلِّ منهما يسعى إلى تجنيد الشَّعب لخدمة قضيَّة معيَّنة (6)، هي تفجير الثَّورة والعمل على توعية الشَّعب الجزائري

(1) غنيمي هلال: "النَّقد الأدبي الحديث"، دار الثَّقافة ودار العودة، بيروت، ط 1983 م، ص 24.

(2) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 26.

(3) غنيمي هلال: "النَّقد الأدبي الحديث"، ص 331.

(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 101.

(5) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 114، 115.

(6) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 100.