إسلاميَّة المبدع
الجزء ١ · صفحة ١٩١في هذا النَّصِّ يقدِّر محمد ناصر أنَّه لابدَّ للنَّاقد من التَّمتُّع بالذَّوق، حتَّى يكون قادرًا على التَّمييز بين الجمال والقبح داخل العمل الأدبي، ويريد بهذا أن يجعل من الذَّوق الذَّاتي نقدًا منهجيًّا، ونقدًا موضوعيًّا، عن طريق إضافة عناصر يكتسبها النَّاقد، ويضيفها إلى الاستجابات الفرديَّة الأولى التي لا يمكن أن يستغني عنها أيُّ ناقد، بل لن يستقيم النَّقد مالم يقم على التَّأثُّر الفردي، لأنَّ وظيفة النَّقد هي الكشف عن الأسرار الخفيَّة في النَّصِّ بواسطة الحسِّ الباطني (1)، لكنَّ هذا الحكم الذَّاتي يبتعد عن ماهية الالتزام، فيمكن أن تؤثِّر فيه الميول النَّفسيَّة، بما تحمله من انتماءات إيديولوجيَّة، أو عرفيَّة، ممَّا يوقع النَّاقد في إصدار حكم جائر.
إنَّ الأديب هنا يعالج قضاياه النَّقديَّة من خلال الالتزام برؤية إسلاميَّة، تشمل العقيدة والذَّات والمجتمع (2)، إنَّه يعيش قضاياه ويعبِّر عن طموحاته وأمانيه، ويسعى إلى إرساء دعائم الحقِّ فيه، وذلك من خلال نتاجه الأدبي الرَّفيع الذي اقتات نفسه ومشاعره، وريادة الآفاق المتنوِّعة المتكاملة التي تشيد بناءه الوجداني، مع نكران الذَّات، والبعد عن التماس الشُّهرة واحتساب ذلك كلِّه عبادة لله تعالى، وإنَّما يقوم الأديب محمد ناصر بدوره هذا ممارسة لذاته، وتعبيرًا عن إيمانه ومنهجه في الحياة (3).
يمارس محمد ناصر الالتزام وينادي به في الأدب العربي الإسلامي، من خلال تصوُّر شمولي، ومنهج تكاملي، لا يأتيه الوضوح من فلسفة يستند إليها، أو نظريَّة يتعرَّف على فقدانها، وإنَّما يأتيه من حياة يعيشها في عبادة، وهو يقف بين يدي الله - عز وجل -.
ويتعلَّم ذلك من تجربة واقعيَّة، يمارس فيها الحياة وفق منهجه الشَّامل والكامل، منهج متوازن عادل، ولهذا يكتسب هذا الوضوح فلا يتخبَّط، ولا تضيع جهوده عبثًا، ولا يظلُّ يهدر طاقاته فيما لا طائل وراءه (4)، فهو متوحِّد الهدف، واضح التَّصوُّر، عملا بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ
(1) علي خذري: "البحث الأدبي الحديث في الجزائر"، منشورات مخبر الشِّعريَّة، ط 1، 2004 م، ص 117.
(2) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 112.
(3) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي"، تجارب ومواقف، ص 33.
(4) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 121.