الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

إسلاميَّة المبدع

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

باعتماد الرُّموز والمجازات، بتفجير قدرات اللُّغة التَّعبيريَّة، وانتزاع أسرارها الجماليَّة، بتحويل الكلمة إلى ريشة تفرش الألوان وتشكِّل الكتل والمساحات، بالحذر في ملامسة القيم والخبرات، والمعطيات الإسلاميَّة، دون تهيئة الأرضية وسحر الأجواء … تجيء القيمة أو الخبرة في إطار فنِّي مقنع مترع بالقدرة على التَّأثير. بهذا وذلك، يمكن أن يتحقَّق الإحسان ويكون الإتقان (1).

إنَّ الإحسان هو أعلى مراتب الالتزام (2) والسُّموُّ الفنِّي، هذا من جانب الأعمال الأدبيَّة لمحمد ناصر، أمَّا في الجانب التَّطبيقي النَّقدي فيقيِّم الأدباء على أساس مدى التزامهم بالعقيدة الإسلاميَّة والثَّقافة الإسلاميَّة الأصيلة، إضافة إلى مدى تعلُّق الأديب بقضايا مجتمعه، فيقول: فهي ذا -كما ترى- رسالة سامية نبيلة، حين تتَّخذ لها أهدافها في هذا السُّموِِّ، تلك العظمة، فهي إيمان مطلق بالله الذي هو غاية كلِّ مؤمن صادق، واعتزاز بالحقِّ الذي يحاول الجشع الاستعماري هضمه وابتلاعه، ودعوة جهيرة إلى الدِّين الإسلامي، الذي هو روح الشَّعب المتعطِّش إلى توجيه الودُّ الخالص (3).

في ظلِّ دعوة محمد ناصر إلى التزام المبدع بالقيم الإسلاميَّة، إلَّا أنَّه في مواقفه النَّقديَّة آمن بأنَّ الذَّوق الشَّخصي عند النَّاقد هو المقياس الحقيقي للحكم على الأشعار، وأصبح عنده فلسفة نقديَّة عميقة، لم تقف عند حدِّ التَّنظير، وإنَّما امتدَّت إلى التَّطبيق الفعَّال (4)، حيث يقول: يحسُّ المرء وهو يقرأ أشعار هؤلاء بالعناية التي بذلوها في الكلمات ذات الرَّنين والموسيقى، مثل المشتملة على حرفي الصَّفير كالسِّين والصَّاد، فنجد عند أبي اليقظان مثلاً ولعًا خاصًّا، وميلاً واضحًا إلى هذه التَّراكيب ذات الرَّنين الخاصِّ (5).

(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 81.

(2) المرجع نفسه، ص 39.

(3) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث، القسم الثَّاني مفدي زكريا شاعر النِّضال والثَّورة ورمضان حمود حياته وآثاره"، المجلَّد الثَّاني، ص 27.

(4) علي خذري: "البحث الأدبي الحديث في الجزائر"، منشورات مخبر الشِّعريَّة، ط 1، 2004 م، ص 115.

(5) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 528.