الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩مصطفى عليان في: أنَّ الإسلاميَّة في الأدب تصوُّر فكري في تعبير أدبي، لا يقف عند حدود الاستعانة المباشرة وغير المباشرة بمعاني القرآن الكريم، والحديث النَّبويِّ، وإنَّما نلمسها في التَّمييز الذي أراده الإسلام لأدبه وأدبائه في التَّعبير عن مدى القيم في النَّفس تعبيرًا حيويًّا منبثقًا من التَّصوُّر الإسلامي، فهي تتعدَّى ما يلوح من ظاهر النَّصِّ إلى ما يجول في داخله من فكر وإحساس وتصوُّر، وما يعرف فيه من إيحاء بمواقف إسلاميَّة (1).
إنَّ الحدَّ الفاصل عند محمد ناصر بين الأدب العظيم والأدب التِّجاري غاية في الدِّقَّة، فالأديب العظيم يستطيع أن يؤثِّر في مجتمعه، وأن يكتسب رضاه دون أن يخضع لإرادة المجتمع، بل ربَّما استطاع تحقيق ذلك وهو يقف معارضًا للمجتمع، والأديب التِّجاري هو الذي يتملَّق الجماهير ويخضع لها.
الأوَّل هو الذي يؤدِّي دور الأديب الحقِّ في مجتمعه، حين يتأثَّر بهذا المجتمع، ثمَّ يحاول التَّأثير فيه، وهو تأثير له خطورة لأنَّ له خطَّته وهدفه، أمَّا الثَّاني فلا يمكن أن يكون عامل دفع في مجتمعه، لأنَّه سيترك المجتمع يدور في نطاق ذاته (2).
إنَّ ناصر يدعو الأديب المسلم إلى التَّميُّز والتَّقييم والانتقاء. والرَّفض والقبول بالنَّسبة له عمليَّة تغذِّيها التَّجَارب والمعرفة والتُّراث الأخلاقي، فليس كلُّ ما في العالم فساد في فساد، ولكن يختلف فيه الجيِّد والرَّديء، والغثُّ والسَّمين، الضَّار والمفيد، ومن ثمَّ فإنَّ الشَّجاعة الأدبيَّة (3)) والبناء النَّفسي والفكري للأديب المسلم، تجعلانه دائما سيِّد أرضه، وسيِّد موقفه، في إطار القيم التي تربَّى عليها (4).
(1) مصطفى عليان: "مقدِّمة في دراسة الأدب الإسلامي"، ص 2. أنظر: محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص 31.
(2) عزّ الدّين إسماعيل: "الأدب وفنونه"، ص 44.أنظر: محمَّد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص 26.
(3) الشَّجاعة الأدبيَّة: هي ميزة خاصَّة عند محمد ناصر، وظاهرة فريدة في الأدب الجزائري المعاصر، وتظهر جليًا في مواقفه النَّقدية، أنظر: مقالة "لا للنَّقد المائع"، قصيدة: "هذا الزَّمن العلماني"، الأعمال الشِّعريَّة الكاملة.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 23.