الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

أمَّا محمد مصايف فيرى أنَّ مفهوم الحداثة أصبح يطلق بمناسبة وغير مناسبة، وعاد سببًا في كثير من المواقف المتسرِّعة التي تزيد الأمور غموضًا على غموض … فهي في نظرنا لا تنحصر في الشَّكل والمضمون، بل تمتدُّ إلى الموقف والنَّظرة (1). وبهذا فهو يحدِّد مفهوم الحداثة من حيث العوامل التي تؤدِّي إليها، والمتمثِّلة في: الاحتكاك بالغرب، من خلال الاستعمار الفرنسي، والأخذ بالثَّقافة الغربيَّة والتَّمكُّن من اللُّغات الغربيَّة، إضافة إلى الحوار العلمي، ويأخذ مثالاً على ذلك حوار الأمير عبد القادر مع المفكِّرين والأدباء الفرنسيِّين. لكنَّ مصايف يعود ويحصر مفهوم الحداثة في ظهور الأدب الجزائري الحديث فيقول: إذا كانت الحداثة تعني الموقف والنَّظرة إلى الأشياء بالإضافة إلى تطوُّر الشَّكل والمضمون، فإنَّ الأدب الجزائري لم تظهر تباشيره الأولى … إلى ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، وهذا للظُّروف الخاصَّة التي برزت بين الحربين وفي أعقابهما … وبروز الحركة الإصلاحيَّة في شخص جمعيَّة العلماء والحركة الوطنيَّة الجزائريَّة بين المهاجرين في فرنسا … (2).

ويعود ويطلق على الحداثة بأنَّها الجديد في الكتابات التي تظهر فيها شخصيَّة الكاتب، ويتوضَّح فيها موقفه العربي الإسلامي؛ دفاعًا عن الإسلام والعروبة، كما يذكر أنَّ أوائل الأدباء الجزائريِّين الحداثيِّين؛ رمضان حمُّود والزَّاهري اللذَّين يعتبر كتاباتهما بداية طيِّبة للنَّثر الجزائري الحديث، ويعود الفضل في امتياز هذه الكتابات عن غيرها إلى أنَّ أصحابها أخذوا يتَّصلون بالأدب الغربي بطريق مباشر أو غير مباشر، وكانا يحسنان اللُّغة الفرنسيَّة، وكانا على اتِّصال بما يكتب في المشرق العربي من طرف الأدباء المشارقة المتأثِّرين بالغرب، ولعلَّ القليل من الحاضرين يعرفون أنَّ حمُّودا شارك في الهجوم على شوقي ومذهبه في الشِّعر (3)، وأنَّ الزَّاهري ناقش طه حسين في موقفه من الأدب الجزائري (4).

(1) المرجع نفسه، ص 114.

(2) المرجع نفسه.

(3) في مقابلتنا لمحمد ناصر يذكر أنَّه في الوقت الذي كان فيه العالم يحتفل بإمارة شوقي الشِّعريَّة انتقده رمضان حمّود نقدًا لاذعًا، وهو لم يبلغ بعد من العمر 18 سنة، كان يدعوه من خلال ذلك إلى الكتابة الرِّسالية، أو الشِّعر الرِّسالي، للنُّهوض بالأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة.

(4) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 114 - 115.