موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢١٦إنَّ محمد مصايف في هذه النُّقطة يغفل عن ذكر علم من أعلام الأدب الجزائري الحديث، وهو البشير الإبراهيمي، متناسيًا بذلك كلَّ ما يميِّز أدبه من الجمال والرُّقيِّ المتسامي، شكلاً وأسلوبًا، وفكرًا وموضوعًا، واتِّصاله الوثيق بالواقع، وهو لم يحسن من اللُّغات إلّا العربيَّة باعترافه.
كما أنَّ صفة الحداثة لا يمكن إطلاقها على الزَّاهري وحمُّود لمجرَّد آرائهما النَّقديَّة فقط، إنَّ دعوى أنَّ الالتزام والمسؤوليَّة والرِّساليَّة في الأدب تفرض قيودًا على الإبداع، وتمنعه من الانطلاق نحو الآفاق البعيدة … تجعل منه أدبًا خطابيًّا جافًّا، دعوى باطلة، وحجَّة أصحابها داحضة، فها هو البشير الإبراهيمي الأديب الرِّسالي … يبدع أدبًا راقيًا، يسجِّل في قائمة الآداب الخالدة (1)، كما أنَّ آراءه النَّقديَّة أقرب إلى النُّضج وأجدر بالدُّخول في نطاق النَّقد الأدبي، ويظهر ذلك خاصَّة في نقد الشَّاعرين محمد العيد آل خليفة، وعمر بهاء الدِّين الأميري، الشَّاعر السُّوري (2).
هكذا يتَّضح أنَّ النُّقَّاد الجزائريِّين يرون الحداثة ظهرت على السَّاحة الأدبيَّة الجزائريَّة بعد الحرب العالمية الثَّانية، وذلك لعوامل عدَّة أهمُّها:
1. الخطُّ التَّجديدي الذي كان يدعو إليه الأفغاني وعبده.
2. الدَّعوة إلى العقيدة الإسلاميَّة بأسلوب عصري، يعتني بالفكرة قبل العبارة، وبخاصَّة بعد تأسيس حركة الإصلاح، والمتمثّلة في جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين.
3. الاحتكاك بالثَّقافة الغربيَّة والاطِّلاع على الأدب الغربي والتَّمكُّن من اللّغة الفرنسيَّة (3).
كلُّ هذه العوامل يرى فيها - هؤلاء النُّقَّاد - أنها أدَّت إلى ممارسة الحداثة في الأدب الجزائري الحديث.
(1) عبد المالك بومنجل: "النَّثر عند البشير الإبراهيمي"، بيت الحكمة، ص 123.
(2) عبد المالك بومنجل: "النَّثر عند البشير الإبراهيمي"، بيت الحكمة، ص 85 - 86.
(3) ينظر محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث".