الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

أمَّا محمد ناصر فيرى في هذه الفترة ظهور ما يعرف بسمة التَّجديد أو النَّهضة الأدبيَّة في الجزائر، حيث يقول: لعلِّي لا أكون مخطئًا إن أنا زعمت بأنَّ رمضان حمُّود هو الذي فتح باب التَّجديد في الشِّعر الجزائري الحديث، فمن المعلوم بأنَّ النَّهضة الأدبيَّة في الجزائر، إنَّما بدأت مع بداية الحركة الإصلاحيَّة في 1925 م (1)، لكنَّ هذا التَّجديد حسب محمد ناصر ظهر أوَّلاً في تأثُّر بعض الشَّباب الذين ينتمون إلى حركة الإصلاح بمدرسة الإحياء، وظهور الاتِّجاهات الشِّعرية في الشِّعر الجزائري متمثِّلة في: الاتِّجاه المحافظ والاتِّجاه الوجداني، والاتِّجاه الجديد الشِّعر الحرِّ (2).

لقد سمَّى محمد ناصر الأشياء بمسمَّياتها، فأطلق على حركة التَّجديد في الشِّعر الجزائري وكتابة المقالة (بعث الصَّحافة) بالنَّهضة الأدبيَّة، وسعى لإعطاء المفهوم الصَّحيح للحداثة من خلال مصادرها الأولى في العالم الغربي، وعند أصحابها الذين يدعون أنفسهم بالحداثيِّين فيقول: هو المفهوم الذي يدعو إلى الانفصام أوَّلاً عن كلِّ المقوِّمات الذَّاتيَّة للشَّخصيَّة، حتَّى تكون مستعدَّة للدُّخول في عالم الآخرين، أو بمعنى أدقٍّ، ينبغي علينا نحن العرب أن نتجرَّد من اللُّغة العربيَّة التُّراثيَّة، تجرُّدًا كاملاً، حتَّى نستطيع تلقِّي البديل الغربي وبدون ذلك لا نستطيع استيعاب المصطلحات الغربيَّة ولا التَّعمُّق في مدلولاتها (3).

إنَّ هذا الطَّرح يدعو إلى القطيعة مع الماضي، وظهرت فيه شعارات الإطاحة بالمقدَّسات اللُّغويَّة والتَّعبيريَّة، وتخريب للذَّاكرة العربيَّة، وأخطر من كلِّ هذا هو الانفصام.

إنَّ محمد ناصر يرفض هذا المفهوم بوصفه نظرة متطرِّفة غير علميَّة؛ لأنَّها تخالف المنطق والواقع والتَّاريخ، بل العلم نفسه، وبأنَّ العرب حينما ترجموا ونقلوا أعلام اليونان والهند وفارس، لم يكونوا يتقنون تلك اللُّغات بهذا النَّحو الذي لو اشترطناه -كما يقول - على أساطين الأدب العربي والمفكِّرين الكبار مثل الجاحظ، لألغينا فكره إلغاء كليًّا لأنَّه لم

(1) محمد ناصر: "رمضان حمود"، حياته وآثاره، ص 45.

(2) محمد ناصر: "اتِّجاهات الشِّعر الجزائري الحديث".

(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 18.