الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

يكن على النَّحو الذي يشترطه هذا الحداثي اليوم (1). في حين أنَّ الجاحظ نفسه أعطى مفهوما للحداثة منذ قرون خلت، حيث يقول فيها: الكتاب باق، يقع من قرن إلى قرن، ومن أمَّة إلى أمَّة، فهو - أبدا - جديد، والنَّاظر فيه مستفيد (2) (3).

فسوف يحيلنا هذا إلى أنَّ الحداثة هي بعدٌ مفهومي، وليس بعدًا زمانيًّا، فهي ليست لحظة زمنيَّة محدَّدة، ويمكن لإبداع ما أن يكون قديمًا من حيث الزَّمن، لكنَّه محدث من حيث الجوهر والمعنى، فالحداثة ليست حكرًا على زمان محدَّد، أو مكان معيَّن، كما يرى الحداثيُّون، وليست قطيعة مع التُّراث الذي يحمل في ذاته سرَّ الحداثة.

وبما أنَّ محمد ناصر ينطلق من رؤية إسلاميَّة في نقده لهذا المفهوم، فالانفصام عنده يعني: قصور في التَّصوُّر، وخلل في التَّوازن، وخلل في الاتِّساق … لأنَّ الإسلام وحده هو الذي شملت فكرته هذه الجوانب كلُّها، في التَّوازن والاتِّساق …

اختلف الأدباء بطبيعة الحال بحسب استعداداتهم الفرديَّة، والزَّوايا الخاصَّة التي يرصدون منها آدابهم ونظريَّاتهم، ويتلقُّون منها حسَّهم وإيقاعاتهم، ولكنَّهم جميعًا تأثَّروا بطبيعة تصوُّرهم، وأخذوا مكانهم في الميزان الأدبي والإنساني بحسب طبيعة هذا التَّصوُّر (4).

لهذا يذهب محمد ناصر في تشريح مدلولات مصطلح الحداثة من خلال الفكر الحداثي وطروحاته، ويأخذ مثالاً على ذلك "هشام شرابي" يقول: يتجسَّد معنى الحداثة بالنِّسبة لنا باتِّجاهين مترابطين: الاتِّجاه العقلاني والاتِّجاه العلماني، عقلنة الحضارة، وعلمنة المجتمع، والحديث هو الجديد الطَّلائعي، بمعنى المغامرة نحو المستقبل والانفلات من قيود الحاضر وماضيه (5)، ويعلِّق محمَّد ناصر على هذا القول بـ: إنَّه ينطلق في تحديد مفهوم

(1) المصدر نفسه، ص 18.

(2) الجاحظ: "المحاسن والأضداد"، ص 10.

(3) الكتب التُّراثيَّة تمَّ الاطِّلاع عليها من خلال موقع "الورَّاق" الإلكتروني، www.alwaraq.net.

(4) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 14 بتصرّف.

(5) هشام الشَّرابي: "الاسلام والحداثة"، أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 19.