الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

الحداثة من ماهيَّتها وأهدافها، ويعتبر أيَّ دراسة لا تنطلق من هذا المنطلق لا تتحلَّى بالموضوعيَّة، ويعلِّل ذلك بأنَّ كلَّ الآداب العالميَّة في مسيرتها ارتبطت بفلسفات وعقائد ورؤى تصدر عنها، وتعبِّر عن أفكارها ومواقفها ومبادئها (1). ويتَّفق معه في هذا محمد عادل الهاشمي، الذي يؤكِّد على أنَّ النَّزعات الأدبيَّة الأوروبيَّة المعاصرة نبتت من بيئة ثقافيَّة مغايرة لبيئتها الثَّقافيَّة وفي أحضان قوم يمارسون مثلاً مغايرة لمثلنا، ويختطُّون سبلا غير سبيلنا، وقد ترعرعت هذه النَّزعات والمذاهب الغربيَّة وسط ظروف وأحوال وانتفاضات تخصُّ أهلها، وتتَّصل بحياتهم وتطلُّعاتهم ووجهات نظرهم، لذا كانت هذه النَّزعات التي تحمل تصوُّرات مغايرة لروح أمَّتنا ومثلها وتطلُّعاتها لا تصلح لنا، ولا تعبِّر عن مفاهيمنا ولا تعالج قضايانا (2).

وبما أنَّ العلمانيَّة هي تيَّار نتج عن الصِّراع بين الكنيسة والمجتمعات الأوربيَّة، وكان هدفها هو مقاومة كلّ ما هو ثابت من دين وقيم وأخلاق، فيرى فيها ناصر خطرًا كبيرًا مادامت العلاقة بينها وبين الحداثة وطيدة، وأنَّ هدفهما واحد (3).

يتجلَّى مفهوم محمد ناصر للحداثة في أنَّها النَّموذج المنبثق عن الحضارة الغربيَّة في رؤيتها للكون والحياة، وتحالفها مع العلمانيَّة - اللَّادينيَّة- (4)، وفرض هذه الرُّؤية على كلِّ من يخالفها من رؤى وفلسفات وتصوُّرات، فكانت له نتائج كارثيَّة، الأمر الذي أدَّى إلى تصادم في الرُّؤى وظهور حداثة فوضويَّة تدميريَّة ضائعة، تلك الحداثة التي صارت تطلُّعًا خارجا على الذَّات، ممَّا أدَّى في المقابل إلى انفصام الذَّات، وقد تنبَّه عبد العزيز حمّودة لهذا الأمر، وذهب إلى أنَّ الحداثة لا تعدو أن تكون مجرَّد نسخة غربيَّة هدَّامة: لقد عشنا قرونًا طويلة من التَّخلّف الحضاري، يجعل الحداثة ضرورة من ضروريَّات البقاء، وليس ترفًا فكريًّا. لكنَّ السُّؤال - في إلحاح - أيُّ حداثة نعني؟ … حداثة الشَّكِّ الشَّامل، وغياب المركز المرجعي، واللَّعب الحرّ للعلامة، ولا نهائيَّة الدَّلالة، ولا شيء ثابت، ولا شيء مقدَّس،

(1) المصدر نفسه، ص 20.

(2) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب … ومواقف"، ص 24.

(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 20.

(4) المصدر نفسه، ص 20.