الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

إنَّ معاداة الدِّين عند الحداثيِّين اللّادينيِّين تنبع من شهوة عارمة إلى التَّمرُّد على القيم والأخلاق؛ بدعوى توق الفرد إلى التَّحرُّر والانعتاق (1)، وفي ظلِّ هذا التَّمرُّد والتَّحرُّر تظهر سمات العبث واللَّامعقول. ويذكر لنا عماد الدِّين خليل أنَّ أوربا قد ضلَّت في العثور على تصوُّر صحيح للحياة والدِّين، وسط تشتُّت المبادئ والاتِّجاهات الفكريَّة في أوربا، وعدم استقرارها على مضمون الحقيقة وهدف الوجود، وستظلُّ أوربا و (روسيا وأمريكا بطبيعة الحال) تطرح مضامينها على النَّاس، مضمونًا يناقض مضمونًا، ومذهبًا يكتسح مذهبًا، ستظلُّ تتقاذفها المبادئ والاتِّجاهات … مادامت في حياتها ووجودها لم تستقرَّ بعد على مضمون، ولا آمنت بفلسفة، ولا ألقت القيادة لربَّان ماهر، يقود سفينتها المتعبة إلى شاطئ الحريَّة والعدل والسَّلام!! (2).

وإذا كان الحداثيُّون العرب يدعون إلى فصل الدِّين عن الأدب، وأمور الحياة الأخرى، وعزله في كهنوتيَّة وطقوسيَّة بين جدران المساجد والزَّوايا (3)، حسب رأي محمد ناصر، فإنَّ في الطَّرف الآخر من ينادي بعودة الدِّين الجديد في الغرب من أجل إنقاذ أوربا ممَّا هي فيه. ومن خلال هذا الحوار بين شخصيَّات أوربيَّة في مسرحيَّة (البعد الخامس) يستعرضون النّظم المعاصرة وإفلاسها، باحثين عن طريق منقذ، وذلك قبل أن تتوجَّه بهم المركبة إلى المرِّيخ، حيث العالم الذي ينشدون:

رينهارت: الأمر الأكثر مرارة وقسوة أن يعيش الإنسان في عالم يصنع الجريمة ويباركها ويعلِّمها لأولاده الصِّغار.

ليديا: كم نحن في حاجة إلى نبيٍّ جديد، يشرق بروحه على الضَّعف البشري … مسيح جديد … يتَّسع قلبه للأخطاء والهفوات ويعلِّمنا كيف نسير.

(1) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 23.

(2) عماد الدِّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 173.

(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 22.