الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

أَغْرِزْ صَليبَكَ فَوْقَ ظَهْرِي حَاقِدا … فلَكَمْ عَرَفْتكَ غَادِرا بِي كَائِدَا

كَلْبُ الصَّلِيبِ، سَلُوا مَذَابِحَ أُمّتيِ … وَسَلوا مَقَابِرَهَا تَنُوحُ شَوَاهِدَا

إلى أن يصل في قوله:

وَاحْمِلْ صَلِيبَكَ دَامِيا، فَلَقَدْ غَدَا … رَمْزا حَقُودا لِلإبَادَةِ رَائِدَا

أَوَ لَيْسَ رَمزا لِلْعَذَاب؟ فَكَمْ عَلَى … خَشْبَائِهِ لَقِي الغُرَابُ مَوَائدَا

رَمْزُ الطُّغَاةِ، وَمَنْ عَلَى جُثَثِ الدّعَاةِ … بَنَوْا لهَمْ عَرْشًا تَجَبَّرَ فَاسِدًا (1)

في ضوء هذه الرُّؤية المتكاملة لصورة الصَّليب متَّصلة بالمستوى النَّفسي والعقدي، وبالمخزون التَّاريخي لدى الشَّاعر، تظهر الاختلافات في معاني المصطلح، بين ما هو حداثي وما هو إسلامي أصيل، إنَّه منطق يؤمن به الشَّاعر، من خلال رمز الصَّليب على مرِّ التَّاريخ من الأبيات تتدرَّج من الصُّورة إلى الرَّمز فالرُّؤية، إنَّها رؤية للعالم الإسلامي الذي يتخبَّط في أزمات، وما يعصف بالبوسنة، البلاد المسلمة التي تعاني ويلات الحرب الصَّليبيَّة (2)، وهذا العرض لا يريد منه محمد ناصر تنفيسًا وقولاً لشعر فقط، بقدر ما يسعى إلى كشف دلالات ورموز ورؤى حول العالم الغربي الصَّليبي.

ونجد نجيب الكيلاني - الذي يعدُّه البعض من الدَّاعين إلى الانفتاح على الآداب الأخرى متنبِّهًا إلى خطورة المصطلحات الدَّخيلة في الأدب، فهو يدعو إلى مصطلحات لها ارتباط وثيق بتراثنا، وبالتَّجارب الأدبيَّة والتَّاريخيَّة التي مرَّت بنا، وبالعقيدة التي نؤمن بها، بدلاً من العيش في ظلِّ المصطلحات الأجنبيَّة المستوردة، التي كان لها أعمق وأخطر الأثر في انحراف مسيرتنا الأدبيَّة … ويكفي أن نقول: أنَّنا جميعا نردِّد هذه المصطلحات، ونحاول أن نلبسها الزِّيَّ العربي أو الإسلامي، وإذا كان هذا اضطرارًا في بداية النَّهضة الأدبيَّة، فإنَّه

(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 305 - 306.

(2) أنظر: محمَّد ناصر: قصيدة " هلال وصليب"، الأعمال الشِّعريَّة الكاملة، ص 305.